شهد التاريخ الإنساني صفحات سوداء، لكن السجل الاستعماري الفرنسي في الجزائر يظلّ فريداً في بشاعته وقسوته؛ فقد تجاوزت ممارساته حدود الحروب التقليدية لتتحول إلى استراتيجية استئصال وإبادة ممنهجة، سعت إلى دكّ الهوية الجزائرية وإخضاع الشعب بالقوة الغاشمة عبر أساليب وحشية امتدت لأكثر من قرن وربع القرن.
فمنذ الأيام الأولى للاحتلال، اعتمدت الإدارة العسكرية الفرنسية سياسة “الأرض المحروقة” والإبادة الجماعية لكسر المقاومة الشعبية. وتجسد ذلك في المجازر المروعة التي ارتكبها جنرالات فرنسا، أمثال بيجو وبيلسييه، ولعل محارق المغارات -كمحرقة العوفية ومغارة الفراحيش بمستغانم- يقفون شاهدين على هولوكوست استعماري مبكر، حيث أُبيدت قبائل بكاملها خنقاً وحرقاً بالنار داخل الكهوف، في مشاهد تقشعر لها الأبدان ودُفن فيها الأطفال والنساء وهم أحياء.
ولم تقتصر الوحشية على القتل المباشر، بل اعتمدت فرنسا سياسة التهجير القسري والنفي الممنهج لقادة المقاومة وأبناء الشعب نحو أصقاع الأرض القاصية، ككاليدونيا الجديدة وجزيرة غويانا ومالطا. وفي مقابر مفتوحة على المحيط، كان النزلاء يعانون من ظروف سفر كارثية يُلقى فيها بالمرضى والشهداء في أعمق المياه، ليواجه من كتب الله له النجاة جحيماً آخر من الأمراض الفتاكة والأعمال الشاقة والبيئة الوحشية التي حصدت أرواح الآلاف بعيداً عن وطنهم.
ومع اندلاع ثورة التحرير المظفرة، تحول التعذيب من سلوك فردي إلى عقيدة مؤسسية تُدرّس وتُمارس بأعلى مستويات الاحترافية الإجرامية داخل المدارس العسكرية الفرنسية. فنكّلت فرنسا بالمجاهدين والمناضلين بأعتى الأساليب المهينة، من صعق كهربائي، وسلخ للجلود، وإغراق بالماء، وصولاً إلى ابتکار جرائم إبداعية كـ”جمبري بيجار”، حيث يُلقى الفدائيون في عرض البحر داخل براميل خرسانية وهم أحياء، ناهيك عن الرهانات الخسيسة لضباط اللفيف الأجنبي للتعرف على جنس الجنين على أجساد الحوامل.
إن هذه السلسلة المتواصلة من الجرائم، التي توّجت بالتجارب النووية في الصحراء الجزائرية وتجميع أكثر من مليوني مواطن في محتشدات قسرية، تُسقط أي مساحيق تجميل تحاول فرنسا اليوم وضعها تحت شعارات “الحرية والمساواة والأخوة”. فالتاريخ لا يمحي بالتقادم، وستبقى تضحيات أجدادنا وآلامهم شهادة حية تُدان بها الدولة الاستعمارية أمام الذاكرة والإنسانية.