
تابعت من خلال موقع صحيفة ” آفاق” الالكترونية جنازة المرحوم الشيخ محمد العيد التيجاني التماسيني، منذ نقل جثمانه من تونس بطائرة خصصها رئيس الجمهورية بطلب من الخليفة العام للطريقة التيجانية الشيخ علي بلعرابي.
كانت زيارة المرحوم لتونس دوما هي زيارة إلى أحباب ومريدي الطريقة التيجانية الذين يحافظون على العهد والمواثيق منذ الفقيه والأديب والصوفي التونسي ابراهيم الرياحي وانتشار فروع التيجانية بالمدن التونسية، وكتب الله الوفاة في بلده الثاني تونس، وكان التوانسة يحضرون مواعيد تماسين السنوية ، وهي ساقية من سواقي الفيض الروحاني الجارية من الشابية والشاذلية والرحمانية والعلوية، ولم تكن فقط ساقية سيدي يوسف التي امتزجت بها الدماء بل تاريخ من النسب والمصاهرة العائلية والروحية والثقافية والأدبية وقد كان توفيق المدني “التونسي- الجزائري” يسمى (كاتب القطرين).
جدّ الأسرة التيجانية التماسينية الشيخ الحاج علي بن الحاج عيسى التماسيني أسس إمارة روحية وكان خليفة الشيخ أحمد التيجاني ووارث سّره والقيّم على ابنيه محمد الكبير ومحمد الحبيب الصغير وقصة معاناته مع الفاسيين وخروجه بهما نحو الجزائر معروفة.
هذه “الإمارة الروحية التيماسينية ” بتملاحت بتقرت (ولأهل قمار ووادي سوف الفضل) هذه “الإمارة” إن صح التعبير هي بديل “إمارة بني جلاب” التي دامت أربعة قرون وصارعها الحاج علي واتباع التيجانية، فكان الزوال للإمارة الدنيوية والبقاء للمعنى والرمز وقد تغيرت التركيبة الاجتماعية فالأسر والقبائل المهمّشة والمقهورة مع زاوية تملاحت أصبح لها شأن ووحّدتهم “صلاة الفاتح” وبركة الرداء الذي يوضع وسط الحلقة في قراءة الورد والوظيفة.
ويتحدث المؤرخون أن الحاج علي التماسيني غرس 22 ألف نخلة، وما أعظمه غرس في الأرض وفي النفوس يؤتي ثماره كل حين.
جنازة أمس تبرز قوة التيجانيين في الجزائر و إفريقيا والعالم وانتاب البعض صدمة أي من الذين يكتبون سردية الشرك والقبورية عن الصوفيين ويحكمون أحكاما مطلقة. الإمارة الروحية أقلقت الباي التركي وبسبب ذلك والتضييق والظلم هاجر القطب إلى فاس، وثار ابنه محمد الكبير ضد الأتراك وقُتل في معركة تخلّى فيها بعض أهل غريس عنه ، وكان الخلاف مع الأمير عبدالقادر زمن محمد الحبيب.
طبيعي أن بعض المتابعين لم يفهموا “البيعة قبل الدفن، والعارفون بتاريخ الزوايا يعلمون أن الوراثة من حي إلى حي وتكون بالوصية أو الإشارة واختلفت من زمن إلى آخر ولو أن كثيرا من الزوايا والطرق أخلّ بتقاليدها إذ أصبحت وراثة العقار والأموال والأوقاف وليس “وراثة السّر” والتعليم والهدي والإصلاح، وهي بيعة معهودة في تاريخنا ، وحسن البنا رحمه الله أخذ بها كتقليد داخل جماعة الإخوان قبل أن تتحول إلى “بيعة على القتل ” عند داعش والقاعدة.
صور ومشاهد ربما لم يألفها المواطن قبل، وعلى نخب ومشايخ هذه الزوايا شرح ذلك. ومنها تقبيل يد الوالدين والشيوخ والتي هي عادية في بعض المناطق دون أخرى، لأن الصورة النمطية عن تقبيل اليد هي التي تشوش علينا عادات موروثة في مجتمعنا بغض النظر عن الموقف منها أو تصحيحها.
جنازة أمس المهيبة تعّبر عن قيمة الراحل العلمية والاجتماعية وعن شباب بالآلاف لا يزال مرتبطا بالمشيخة التقليدية الجزائرية ، وهي الطاقات المدنية والدينية التي تجعلنا نتساءل لماذا رغم كل ذلك ولكم مجتمعاتنا تغرق في المخدرات والعنف والسلوك المشين والكراهية؟