ما قل ودل

القفاز الجزائري يبحث عن إعادة بعث نفسه…أين اختفت مدرسة الملاكمة التي أنجبت الأبطال؟

شارك المقال

لم يكن الجزائريون بحاجة إلى كثير من الوقت كي يتعلّقوا برياضة الملاكمة، فقد كانت الحلبة الجزائرية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي مصنعاً للمواهب، ومشتلاً للأبطال، وخزاناً لا ينضب للمنتخبات الوطنية. أسماء صنعت لنفسها مكاناً في ذاكرة الرياضة الجزائرية، وأخرى كانت تملك من الإمكانات ما يؤهلها للوصول إلى العالمية، قبل أن تتعثر مسيرتها لأسباب كثيرة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، وبإلحاح أكبر: أين اختفى ذلك القفاز الجزائري الذي كان يفرض احترامه في الحلبات الدولية؟

لقد اشتاق الجزائريون منذ سنوات إلى طعم التتويج الأولمبي في رياضة الفن النبيل، بعد أن كانت الملاكمة واحدة من الرياضات التي منحت الجزائر حضوراً لافتاً في الألعاب الأولمبية.

من لوس أنجلوس إلى أتلانتا…عندما كان القفاز يكتب التاريخ

كانت أولى البصمات الجزائرية في الملاكمة الأولمبية خلال أولمبياد لوس أنجلوس 1984، حيث دخلت أسماء الملاكمين من عيار الراحل موسى مصطفى و محمد زاوي التاريخ حيث توجا بالبرونز خلال مشاركة جزائرية نوعية حينها، قبل أن تتوالى الأجيال وتكبر الطموحات.

ثم جاءت مرحلة أخرى أكثر إشراقاً، حمل خلالها القفاز الجزائري أسماء كبيرة، إلى أن بلغ المجد ذروته مع الراحل حسين سلطاني الذي نجح في إهداء الجزائر الذهب الأولمبي في الملاكمة خلال أولمبياد أتلانتا 1996 فيما تحصل محمد بحاري على برونزية، بينما أضاف محمد علالو ميدالية برونزية أخرى لسجل الجزائر الحافل.

كانت تلك الفترة بمثابة العصر الذهبي للملاكمة الجزائرية، حيث لم يكن وصول الملاكم الجزائري إلى الأدوار المتقدمة في البطولات الدولية أمراً استثنائياً، بل كان جزءاً من المشهد, ثم خفت الضوء شيئاً فشيئاً.

و غابت الميداليات، تراجعت النتائج، وبدأ السؤال يكبر داخل الحلبة وخارجها: ماذا حدث للقفاز الجزائري؟

وجاءت ذهبية إيمان خليف في أولمبياد باريس 2024 لتعيد شيئاً من البريق إلى الملاكمة الجزائرية، وتؤكد أن الموهبة الجزائرية لم تمت، وأن القفاز لا يزال قادراً على رفع الراية الوطنية فوق منصات التتويج.

لكن ذهبية باريس لا ينبغي أن تكون مجرد استثناء جميل في سجل طويل من الانتظار، بل يجب أن تكون جرس إنذار لإعادة بناء منظومة الملاكمة الجزائرية من جديد.

عندما أصبحت الخبرة تبحث عن مكان داخل الحلبة

يرى عدد من الملاكمين القدامى أن إحدى مشكلات الملاكمة الجزائرية تكمن في عدم الاستفادة الكافية من خبرات الجيل الذي صنع أمجادها.

فكيف يمكن لرياضة أن تبني مستقبلها إذا كانت لا تستمع إلى الذين عرفوا الحلبة، وعاشوا تفاصيل المنافسات الدولية، وخبروا معسكرات المنتخبات، واكتشفوا نقاط القوة والضعف في المدرسة الجزائرية؟

الخبرة ليست مجرد ماضٍ نستحضره في المناسبات فالخبرة مدرسة بحد ذاتها.

والملاكم السابق الذي خاض عشرات النزالات، وواجه أبطالاً من مدارس مختلفة، يعرف من التفاصيل التقنية والنفسية والتكتيكية ما لا يمكن أن تمنحه الكتب وحدها.

والسؤال هنا ليس اتهاماً لأحد، بقدر ما هو سؤال مشروع: لماذا لا يتم إنشاء هيئة استشارية تضم نخبة من الملاكمين والمدربين السابقين، تكون مهمتها مرافقة المنتخبات الوطنية وتقديم الخبرة للأجيال الجديدة؟

ففي كثير من الرياضات العالمية، يتحول البطل السابق بعد اعتزاله إلى مدرب أو مستشار أو مكتشف للمواهب، بينما لا يزال بعض أبطالنا يبحثون عن موقع لهم بالقرب من الرياضة التي صنعوا مجدها.

 الحلبة الوهرانية كانت خزاناً للمنتخب الوطني

ولعل الحديث عن تراجع الملاكمة الجزائرية لا يكتمل من دون التوقف عند وهران ومعسكر وسيدي بلعباس.

هذه المدن لم تكن مجرد مناطق تمارس فيها الملاكمة، بل كانت خزانات حقيقية للمنتخب الوطني.

في وهران، كانت الأندية تصنع الملاكمين، وكانت الحلبات تستقطب الأطفال والشباب، وكان حلم حمل القفاز الجزائري في المحافل الدولية يبدأ من قاعات متواضعة، قبل أن يصل إلى المعسكرات الوطنية.

ومن أسماء المدرسة الوهرانية التي لا تزال حاضرة في ذاكرة عشاق الفن النبيل، نجد محمد بودشيش، موسى مصطفى، كريم بن سلطان وبلبشير فيصل وغيرهم من الأسماء التي أثرت الحلبة الجزائرية.

أما معسكر فقد أنجبت بدورها ملاكمين كان يمكن أن تكون لهم مسارات عالمية لو توفرت لهم الرعاية والظروف المناسبة.

ويبرز هنا اسم عمار مسكين، الذي يرى كثير من المتابعين أنه كان يملك مؤهلات فنية وبدنية تؤهله لمسيرة أكبر بكثير، وربما حتى للوصول إلى عالم الاحتراف العالمي لو وجد العناية اللازمة في الوقت المناسب.

ومن أبناء المدرسة المعسكرية أيضاً نور الدين مجهود، الذي ارتبط اسمه بإنجاز لافت يتمثل في فوزه على الملاكم الأمريكي الأسطوري فلويد مايويذر خلال مسيرته في عالم الهواة.

وهي قصة تكفي وحدها لطرح سؤال مؤلم: كم من موهبة جزائرية كبيرة عبرت الحلبة ثم اختفت قبل أن تصل إلى العالمية؟

المدرسة العباسية…مواهب لم تجد الطريق إلى النهاية

وفي سيدي بلعباس، كانت الملاكمة بدورها مدرسة حقيقية، أخرجت أسماء لامعة، من بينها محمد بحاري، الذي كان واحداً من أبرز الملاكمين الجزائريين، وامتلك مؤهلات فنية جعلت المتابعين يتوقعون له مسيرة عالمية.

لكن مسيرة بحاري، مثل مسيرة عدد من أبناء جيله، بقيت شاهدة على مفارقة مؤلمة: الموهبة موجودة، لكن الطريق إلى تحويل الموهبة إلى مشروع بطل عالمي لم يكن دائماً ممهداً.

وهناك أيضاً أسماء أخرى من أجيال مختلفة، مثل زنقلي وقبي و محمد الدين وغيرهم، ممن تركوا بصماتهم في الحلبة الجزائرية.

كل هذه الأسماء لا ينبغي أن تبقى مجرد ذكريات يتداولها قدامى الملاكمين في المقاهي وقاعات الرياضة.

إنها ثروة بشرية وخبرة رياضية يمكن أن تكون جزءاً من مشروع إنقاذ حقيقي للملاكمة الجزائرية.

المشكلة ليست في غياب المواهب

ربما يكون من الخطأ القول إن الجزائر لم تعد تنجب الملاكمين, بل العكس تماماً.

الجزائر ما زالت تنجب مواهب في مختلف الرياضات، والملاكمة ليست استثناءً.

المشكلة تكمن في كيفية اكتشاف الموهبة وتكوينها وحمايتها ومرافقتها حتى تبلغ أعلى مستوى.

فالطفل الذي يدخل قاعة الملاكمة في سن العاشرة أو الثانية عشرة يحتاج إلى مدرب مؤهل، وطبيب رياضي، ومتابعة نفسية، وبرنامج تغذية، ومنافسات منتظمة، واحتكاك دولي، ومسار واضح.

أما أن نكتشف الملاكم قبل البطولة القارية أو الأولمبية بفترة قصيرة، ثم نطالبه بمواجهة أبطال العالم، فذلك أشبه بمن يزرع شجرة ويطالبها بأن تثمر في اليوم التالي.

أين هي استراتيجية إعادة بناء القفاز الجزائري؟

الملاكمة الحديثة لم تعد مجرد قوة في الذراع أو قدرة على تحمل الضربات, إنها علم متكامل.

هناك تحليل المنافس، والذكاء التكتيكي، والإعداد البدني، والتحضير النفسي، والتغذية، والطب الرياضي، وتحليل النزالات بالفيديو، والاحتكاك المستمر بالمدارس العالمية.

والجزائر بحاجة إلى مشروع طويل المدى لا يرتبط بدورة أولمبية واحدة.

مشروع يبدأ من الأحياء وقاعات الرياضة، ويمر عبر الأندية والبطولات الوطنية، ثم المنتخبات الجهوية والوطنية، وصولاً إلى الاحتراف والمنافسات الدولية.

والأهم من ذلك كله هو إعادة الاعتبار إلى الرجل الذي يعرف الحلبة.

لماذا لا تتم دعوة أبطال الأمس إلى المدارس والأندية؟…لماذا لا تُسند إليهم مهمة اكتشاف المواهب؟…لماذا لا يتم إنشاء مركز وطني لتوثيق تاريخ الملاكمة الجزائرية والاستفادة من تجارب أبطالها؟

ولماذا لا تتحول أسماء مثل محمد علالو، محمد بحاري، عمار مسكين، نور الدين مجهود وغيرهم من مجرد أسماء في الذاكرة إلى مدرسة متكاملة تتعلم منها الأجيال الجديدة؟.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram