ما قل ودل

من الأرشيف السّري لباريس…تقرير استخباراتي يكّذب ماكرون و ينصف دولة الأمير عبد القادر

شارك المقال

في عمق الأرشيف التاريخي للمقاومة الجزائرية وتاريخ الثورات الشعبية و الذي ترفض فرنسا تسليم معظمه لحاجة في نفس يعقوب، تظل الشهادات المستقاة من مذكرات وتقارير الضباط الفرنسيين واحدة من أقوى الأدلة الدامغة التي تفند السردية الاستعمارية. ولم تكن شهادة الضابط الفرنسي “بول. ماسون” مجرد تقرير عسكري عابر كُتب عام 1841 بناءً على طلب مباشر من وزير الحرب الفرنسي، بل كانت وثيقة استخباراتية رفيعة المستوى ظلت محجوبة ومحفورة في سرية التكتم لـ 126 سنة، حتى خرجت للنور لأول مرة عام 1967.

إن السر الحقيقي وراء إخفاء هذا التقرير لعقود طويلة يكمن في كونه قدّم شهادة ميدانية لضابط عاش داخل مجتمع المقاومة كأسير لمدة سبعة أشهر كاملة. هذه المعايشة المباشرة سمحت له بمعاينة التفاصيل الدقيقة لإدارة الأمير عبد القادر، لينسف من الداخل الادعاءات التي روّج لها الاحتلال حول كون الجزائر مجرد مساحة جغرافية تعاني من الفوضى والشتات قبيل الغزو.

كشفت وثيقة ماسون عن لمسات تحليلية دقيقة أن دولة الأمير عبد القادر لم تكن تدار بأساليب تقليدية، بل كانت تمتلك مقومات الدولة الحديثة المكتملة الأركان. فقد وثّق وجود جيش نظامي مدرب يتلقى رواتب منتظمة، تدعمه خزينة حرب رئيسية قُدّرت قيمتها بنحو 1.5 مليون فرنك ذهبي. ولم تتوقف مظاهر السيادة عند حدود التنظيم العسكري، بل امتدت إلى التأسيس لسيادة نقدية مستقلة من خلال صك قطع نقدية نحاسية في عاصمة الدولة “تاقدمت”.

ولم يقتصر التقرير على الجوانب المادية والمالية، بل أشاد بالعبقرية الهندسية والتكتيكية للجزائريين، مستشهداً بأسماء شخصيات برزت في إدارة الشأن العام والهندسة مثل “سيدي قدور برويلة”، الذي وصفه التقرير بامتلاكه ذكاءً ونباهة نادرين. يضاف إلى ذلك الإشادة بالقيم الأخلاقية والإنسانية التي فرضها الأمير عبد القادر في التعامل مع الأسرى ومعاملتهم وفق قواعد الفرسان، حيث كان يُصرف لهم الخبز حتى في أحلك أوقات الشدة والجوع، مع حظر الممارسات الانتقامية حظراً قاطعاً.

تتجلى المفارقة الكبرى في أن هذا التقرير، الذي قدم قراءة منصفة لدرجة الكفاءة والانتظام داخل دولة الأمير، و الذي نسف طرح الرئيس إيمانويل ماكرون كان هو نفسه السبب الذي دفع القيادة العسكرية في باريس إلى تبني استراتيجية الأرض المحروقة وتكثيف الحملات العسكرية. لقد أدركت السلطات الاستعمارية حينها أن التهديد الحقيقي للتواجد الفرنسي لا ينبع فقط من البسالة القتالية، بل من وجود هيكل دولة منظم ومؤسس بوعي سياسي ومالي وعسكري يصعب اختراقه أو احتواؤه.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram