
كان إعلان رئيس الجمهورية السيد عبدالمجيد تبون أمس باستحداث جائزة وطنية ودولية “مسابقة السّيرة النّبويّة” ردّاً أبلغ وأقوى على دعاوى تبديع ومقاطعة احتفالات ذكرى المولد النبوي الشّريف، ومن تجليّات ترسيم هذا اليوم للدولة الجزائرية منذ الاستقلال لكون ذلك ارتبط في ذاكرتنا بالمقاومة والدّفاع عن هُويتنا منذ الاحتلال الاسباني لثغورنا السّاحلية وجثومه في وهران التي حررّها طلبة القرآن الكريم 1792، وقادهم فقهاء وصوفيّون مثل أبي طالب المازوني ومحمد بن عبدالله الجلالي وهم في رحلتهم المشهورة نحو “رباط وهران” تزامن ذلك مع الذكرى فكان الإحياء بقراءة “البردة” و”دلائل الخيرات” و”الشّفاء” وإطلاق صوت المدافع – وللأسف هو ما يقي من ذلك العهد الترّكي “محيرقة” مُزعجة وعادة فاسدة لزم تطهير الذّكرى من هذه المظاهر السّلبية-.
و استمرّ الاحتفال مع مؤسِّس الدّولة الحديثة الذي أطلق على عساكره “الجيش المحمدي” وضرب السكّة باسم محمد –عليه الصلاة والسلام- وافتتح كتابه العرفاني بشرح متميّز وممتع وجذّاب لقوله تعالى: “{ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا }وكانت العائلات الجزائرية تأخذ من تسمية “محمد” وما يشتق منها من ألفاظ الحمد بركة وتمسّكاً بهويتها ضدّ التجنيس والتنصير والمسخ الفرنسي، فكان الاحتفال بالمولد عند شيخنا وعلماء جمعية العلماء المسلمين نضالاً روحياً وذاكرة واتباعاً للسنّة الشريفة في التحصّن بالهوية ومقامة محاولات محو الذّاكرة. هذه الذكرى أبدعت لنا نصوصاً وأدباً وفنوناً هي ميراث ثقافي متنوع “أشعار المولديات” و”الشعر الملحون في المدح النبوي” وأنواع من النغم حسب الجهات في ترانيم القصائد المدحيّة.
أتمّنى أن تكون المسابقة تجديديّة فكتابة نصوص في السّيرة أو تحقيق مخطوط يكرر كتب “المغازي” و”السِّير” هو حفظ وتكرار، في حين نحتاج إلى أشكال جديدة تربط الشباب بنبيهم عليه السلام وبأن يؤثّر ذلك على سلوكهم وحياتهم فالرسول هو “الرّحمة المهداة” وهي هنا معاني الخير والتسامح والتكافل وخدمة المجتمع ووحدته والدفاع عن وطنه والإقبال على الحياة التي وهبها الله لنا.
لقد زرت “المعرض الدولي للسيرة النبوية والحضارة الإسلامية” بالمدينة المنورة ينقلك وتتحاور مع الزمن النبوي بتقنيات ثلاثية الأبعاد وبرمجيات متطورة سينمائية وسيتطور أكثر في السنوات القادمة، وضربت هذا المثال لنعلم أنّ النّصوص التي نُدرّسها للتلاميذ والشّباب عن السّيرة ترسّخت في أذهانهم بفضل الصّورة مثل: “فيلم الرسالة” وغيرها من اليوتيوبات والتّقنيات المعاصرة، وهذا ما نأمله أن تكون المسابقة ليست نُصوصاً أو اجتراراً ولكن تكون اجتهاداً علميّاً وتقديم مشاريع متطوّرة تقنيّاً تخدم توجّه الشّباب اليوم ولها تأثيرها، وتتأسّس لجانٌ مختصّة تخرجِنا من نمطيّات المسابقات التقليدية وتحفظها من القيل والقال وما يشوب بعض الجوائز من طُعون وجُروح.