لم يعد السؤال اليوم: هل ستختفي شاشة التلفزيون؟ بقدر ما أصبح: إلى أين يتجه الجمهور بعد أن غادر جزء كبير منه الشاشة التقليدية؟
فالمشهد الذي نعيشه أمام أعيننا يكاد يكون انتقالاً تاريخياً من عالم إعلامي كانت فيه الشاشة التلفزيونية مركزاً لصناعة الرأي وتوجيه الجمهور، إلى عالم تتوزع فيه المعلومة بين الهاتف الذكي والحاسوب ومنصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية والبودكاست ومنصات الفيديو وغيرها من الأوعية الرقمية التي أعادت رسم العلاقة بين الإنسان والمعلومة.
ولعل ما يحدث اليوم يذكّرنا، من زاوية تاريخية، بمرحلة أكثر عمقاً عاشتها البشرية عندما انتقلت من عصر المخطوط إلى عصر الطباعة، إذ لم تكن المطبعة مجرد آلة جديدة لإنتاج الكتب، وإنما كانت أداة غيّرت سرعة تداول المعرفة وحجم الجمهور القادر على الوصول إليها، وأسهمت في إعادة تشكيل المجال الثقافي والفكري والسياسي في أوروبا.
وهنا تكمن أهمية المقارنة, فالتكنولوجيا لا تنتظر أحداً, ومن ينجح في استيعابها وتوظيفها في الوقت المناسب، يحولها إلى قوة معرفية واقتصادية وحضارية، بينما يتحول من ينظر إليها باعتبارها مجرد وافد غريب إلى متلقٍ لتداعياتها بدلاً من أن يكون شريكاً في صناعتها.
عندما غيّرت المطبعة وجه العالم
كان الانتقال من المخطوط إلى المطبوع أحد التحولات الكبرى في تاريخ المعرفة الإنسانية. فقد أصبح إنتاج النصوص وتوزيعها أسرع وأكثر اتساعاً، الأمر الذي ساعد على انتشار الأفكار والعلوم والنقاشات الفكرية.
لم تكن أوروبا تتقدم بسبب المطبعة وحدها، بطبيعة الحال، فالتقدم كان و لا يزال نتاج منظومة كاملة من التحولات العلمية والمؤسساتية والاقتصادية والتعليمية والسياسية، لكن الطباعة أصبحت إحدى الأدوات التي ساعدت على تسريع تداول المعرفة وتوسيع جمهورها.
وهنا يمكن استخلاص درس تاريخي مهم: الأمم لا تخسر فقط عندما ترفض التكنولوجيا، وإنما تخسر عندما لا تعرف كيف تحول التكنولوجيا إلى مشروع حضاري.
وهذا هو التحدي الذي يطرح نفسه أمام عالمنا اليوم بصورة أكثر إلحاحاً.
من الورق إلى الشاشة…ومن الشاشة إلى الهاتف
إذا كانت المطبعة قد نقلت الإنسان من احتكار المخطوط إلى انتشار الكتاب، فإن الإنترنت والهاتف الذكي ينقلانه اليوم من احتكار المؤسسات الإعلامية للمعلومة إلى فضاء مفتوح يستطيع فيه الفرد أن يكون قارئاً وناشراً ومصوراً ومعلقاً وصانع محتوى في اللحظة نفسها.
لقد تغيرت المعادلة, ففي الماضي كان المواطن ينتظر الصحيفة في الصباح أو نشرة الأخبار في المساء.
أما اليوم، فقد أصبحت الأخبار تصل إليه قبل أن يبحث عنها، عبر إشعار على الهاتف أو منشور على منصة اجتماعية أو مقطع فيديو قصير.
وبذلك لم تعد المنافسة بين صحيفة وصحيفة أو قناة وقناة فقط، وإنما أصبحت المنافسة الحقيقية على انتباه الإنسان ووقته وثقته.
وهذه نقطة ينبغي أن تدركها المؤسسات الإعلامية العربية والجزائرية بعمق.
فالمستقبل لن يكون لمن يملك أكبر شاشة، وإنما لمن يستطيع أن يكون حاضراً حيث يوجد الجمهور.
الأمير عبد القادر…استشرف الوضع قبل حدوثه
وتستوقفنا في هذا السياق روايات متداولة عن الأمير عبد القادر، وعن وعيه بأهمية الطباعة وما شاهده من استعمال الجيش الفرنسي لها في إنتاج المراسلات والوثائق.
لذا فإن الفكرة التي تستحق التأمل تتجاوز الحكاية نفسها: وعي القائد بأهمية أدوات المعرفة والاتصال في صناعة القوة.
فالحرب لا تُحسم دائماً بالسلاح وحده, فهناك المعرفة، والتنظيم، والاتصال، والقدرة على نقل المعلومة، وإدارة الوقت، وتعبئة المجتمع.
وهي عناصر أصبحت اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى, فإذا كانت المطبعة في مرحلة ما أداة لتسريع انتشار المعرفة، فإن المنصات الرقمية اليوم أصبحت قادرة على نقل المعلومة إلى ملايين الأشخاص في ثوانٍ.
ومن هنا يمكن فهم التحول الذي تشهده البشرية باعتباره أكثر من مجرد تطور تقني.
إنه تحول في ميزان القوة نفسه.
الرئيس تبون والرقمنة…من شعار إداري إلى خيار استراتيجي
وفي الجزائر، أصبح الحديث عن الرقمنة حاضراً بقوة في الخطاب الرسمي خلال السنوات الأخيرة، مع التأكيد على تحديث الإدارة وتطوير الخدمات والانتقال إلى الأنظمة الرقمية.
والأهم من الرقمنة باعتبارها وسيلة لتسهيل الإجراءات، هو النظر إليها باعتبارها خياراً استراتيجياً لبناء دولة عصرية.
فالرقمنة ليست مجرد تحويل الورق إلى ملفات إلكترونية, إنها تغيير في طريقة الإدارة والتواصل والإنتاج واتخاذ القرار.
وعندما تصبح البيانات جزءاً من صناعة القرار، وتصبح الخدمات الرقمية جزءاً من حياة المواطن، وتتوسع البنية التحتية الرقمية، فإن المجتمع نفسه يبدأ في إعادة تنظيم علاقته بالدولة والاقتصاد والإعلام والمعرفة.
ولهذا فإن الاستثمار في الرقمنة ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره مشروعاً تقنياً فقط، بل باعتباره استثماراً في مستقبل الدولة والمجتمع.
الحرب غادرت الميدان…ودخلت الفضاء السيبراني
الأخطر أن التكنولوجيا لم تعد مرتبطة بالاقتصاد والتعليم والإعلام فقط, فلقد دخلت أيضاً إلى صميم الأمن القومي.
فالحروب الحديثة لم تعد تبدأ بالضرورة بالدبابات والطائرات, فهناك حرب المعلومات، والهجمات السيبرانية، والتضليل الرقمي، واختراق البيانات، والتأثير في الرأي العام، والحروب النفسية، وتوظيف المنصات الاجتماعية في صناعة الانقسامات.
وهنا يصبح الإعلام الرقمي جزءاً من منظومة الأمن المعرفي للمجتمع, فالمجتمع الذي لا يمتلك مصادر موثوقة للمعلومة يترك فراغاً يمكن أن تملأه الشائعة.
والمجتمع الذي لا يمتلك إعلاماً رقمياً محترفاً يترك فضاءه الإلكتروني لمن يمتلك القدرة على إنتاج الرواية وتوجيه النقاش.
لذلك فإن الدفاع عن المجال الرقمي لا يكون بالأمن السيبراني وحده، بل يحتاج أيضاً إلى مناعة إعلامية ومجتمع قادر على التمييز بين الحقيقة والتضليل.
الإعلام الرقمي…الجبهة التي لا ينبغي أن نتأخر فيها
وهنا تحديداً تبرز مسؤولية الإعلام الرقمي الجزائري, حيث لم يعد الموقع الإلكتروني مجرد نسخة إلكترونية من الصحيفة الورقية.
هذا النموذج أصبح قديماً, فالإعلام الرقمي له لغته وأدواته وإيقاعه الخاص.
إنه يحتاج إلى صحفي يعرف البحث الرقمي، ويتقن التحقق من المعلومات، ويفهم الصورة والفيديو والبيانات، ويعرف كيف يخاطب الجمهور على الهاتف، ويفهم آليات انتشار المحتوى دون أن يتحول إلى أسير لها.
كما يحتاج إلى مؤسسات إعلامية تستثمر في التكنولوجيا، وتبني غرف أخبار حديثة، وتدرب الصحفيين، وتطور المحتوى المرئي والمسموع والتفاعلي.
فالرهان الحقيقي ليس أن نلحق بالجمهور بعد انتقاله إلى المنصات، بل أن نكون حاضرين معه منذ البداية.
من مستهلك للتكنولوجيا إلى صانع لها
لقد علمنا التاريخ أن الفارق بين الأمم لا يكمن فقط في امتلاك التكنولوجيا، وإنما في القدرة على تحويلها إلى معرفة وإنتاج وتأثير.
وهذا هو الدرس الذي ينبغي ألا نضيعه في زمن الذكاء الاصطناعي.
فالعالم يقف اليوم أمام تحول قد يكون أعمق من التحولات التي أحدثتها الطباعة والتلفزيون والإنترنت مجتمعة.
الذكاء الاصطناعي بدأ يعيد تعريف الصحافة والتعليم والاقتصاد والصناعة والإدارة وحتى طريقة إنتاج المعرفة.
ومن ينتظر حتى تكتمل هذه الثورة لكي يبدأ في التفكير فيها، سيكون قد وصل متأخراً.
لذلك فإن المطلوب ليس الخوف من التكنولوجيا، ولا الانبهار بها، وإنما امتلاكها وفهمها وتطويعها لخدمة المجتمع والدولة.
المستقبل الإعلامي يُكتب الآن
إن انتقال الجمهور من التلفزيون إلى المنصات الرقمية ليس مجرد تغيير في وسيلة المشاهدة.
إنه جزء من تحول حضاري أكبر، ينتقل فيه الإنسان من عالم كان يستهلك فيه المعلومة في أوقات محددة، إلى عالم يعيش داخل تدفق معلوماتي متواصل.
وهنا تصبح المعركة الحقيقية هي معركة المعرفة والثقة والوعي, فمن يمتلك التكنولوجيا ولا يمتلك المحتوى سيظل مستهلكاً, ومن يمتلك المحتوى ولا يمتلك التكنولوجيا سيظل محدود التأثير, أما من يجمع بين الإثنين، فإنه يستطيع أن يصنع لنفسه موقعاً في عالم جديد تتشكل ملامحه الآن.
ولذلك فإن الاستثمار في الإعلام الرقمي، والبحث العلمي، والذكاء الاصطناعي، والتعليم التكنولوجي، والأمن السيبراني، والبنية التحتية الرقمية، ليس ترفاً ولا استجابة لموضة عابرة.
إنه استثمار في السيادة المستقبلية, فالمستقبل لا ينتظرنا حتى نستعد له.
إنه يُكتب الآن، على شاشات الهواتف والحواسيب، وفي مراكز البيانات، وغرف الأخبار، ومختبرات الذكاء الاصطناعي.
ومن لا يستقيم عوده اليوم، قد يجد نفسه غداً يحاول تعديل ظله بعدما يكون العالم قد مضى بعيداً.