ما قل ودل

الجامعة بين منطق السوق ورسالة المجتمع…نحو نموذج جزائري يجمع بين الكفاءة والحكمة

شارك المقال

أ.الدكتور : مغزيلي عبد القادر
الجزء الأول

الجامعة في عصر المردودية من قابلية التشغيل إلى سؤال المعرفة, لم يعد السؤال عن مستقبل الجامعة سؤالا تقنيا يتعلق بالمناهج والبرامج وعدد الوحدات والأرصدة الجامعية و فقط بل أصبح سؤالا اعمق عن الجامعة نفسها…… وذلك من خلال جملة من الأسئلة:

لماذا نتعلم؟؟؟؟؟؟؟؟ و ماذا نريد من الجامعة ؟؟؟؟؟؟؟ ثم هل تتمثل مهمة الجامعة في إعداد خريجين قادرين على الاندماج في سوق العمل فقط ؟؟؟؟ أم أن لها وظيفة أوسع وانبل تتصل مباشرة بإنتاج المعرفة، و بناء الإنسان، والمواطن على حد سواء، بالإضافة إلى فهم المجتمع وتوجيه تحولاته ؟؟؟

تكتسب هذه الأسئلة اهمية كبرى في ظل التحولات التي عرفها التعليم العالي خلال العقود الأخيرة، وفي مقدمتها ما يعرف:

” بمسار أو مقاربة بولونيا”(1) الذي انطلق في أوروبا بهدف إعادة بناء فضاء التعليم العالي على أسس جديدة، تقوم على قابلية مقارنة الشهادات، وحركية الطلبة والأساتذة، وضمان الجودة، وإعادة تنظيم المسارات الجامعية، وربط التكوين بصورة أكبر بالحياة المهنية…… إلخ……

لا شك أن هذه الأهداف مشروعة، بل إن جزءا منها أصبح ضرورة لا غنى عنها ، فالجامعة التي تنفصل عن حاجات المجتمع، ولا تهتم بمصير خريجيها، ولا تراجع أدواتها البيداغوجية، محكوم عليها بأن تفقد جزءا من قدرتها على التأثير.
و في المقابل الا يقاس الإصلاح بما يغيره في الفلسفة التي تحكم الدولة و المجتمع و من خلالهما المؤسسة.؟؟؟؟

من هنا ربما يبدأ السؤال الأكثر حساسية…..هل أدت إعادة تعريف علاقة الجامعة بسوق العمل إلى توسيع وظيفتها، أم أنها ساهمت، في اختزال هذه الوظيفة في قابلية التشغيل؟؟؟؟؟

إن أرضية هذه الدراسة تبدا من هذه الإشكالية التي سنعمل على تفكيكها وتحليلها.

1_ بولونيا عندما تصبح الجامعة مطالبة بإثبات مردوديتها
إن التحول نحو جامعة أكثر ارتباطا بالاقتصاد نتيجة طبيعية لتحولات عميقة عرفها العالم منذ الثورة الصناعية الأولى و ما تلاها خصوصا مع نهاية القرن العشرين و ظهور اقتصاد المعرفة، والعولمة، والثورة الرقمية، وتسارع الابتكارات كل ذلك فرض على الجامعة أن تكون أكثر قدرة على الاستجابة لحاجات الاقتصاد والمجتمع. وعالم الشغل، على هاته الخلفية برزت مفاهيم مثل الكفاءة، والجودة، والمهارات، وقابلية التشغيل، والتقييم، والشراكة مع المحيط لاقتصادي…..وغيرها كثير……..

معلوم لاهل الاختصاص ان المفاهيم ليست محايدة تماما، فما أن يصبح التشغيل مؤشرا مركزيا للحكم على جودة التكوين الجامعي فإن ذلك يؤدي تدريجيا إلى النظر إلى المعرفة من زاوية المنفعة المهنية فقط، فتصبح المردودية معيارا وحيدا لتقييم التخصصات، مما يؤدي بالضرورة و تلقائيا إلى ازدراء حقول معرفية أخرى فتظهر وكانها أقل أهمية من غيرها مثلما يحدث مع العلوم الإنسانية و الاجتماعية.

إن المشكلة لا تكمن في أن يكون للجامعة بعدها المهني كما يعتقد البعض، وإنما في أن يتحول هذا البعد إلى المعيار الذي يختزل بقية أبعاد الجامعة، فالجامعة ليست مؤسسة لتلبية الطلب الاقتصادي فحسب، إنها أيضا مؤسسة لإنتاج الأسئلة التي لا يعرفها السوق، في لحظة معينة، لكنه يحتاجها لاخقا لامحالة.

إن السوق يستطيع أن يحدد بعض حاجاته الآنية، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يحدد احتياجات المجتمع المعرفية بعيدة المدى ولا حتى متوسطة المدى……
من هنا يمكننا طرح السؤال الجوهري ما فائدة هذه المعرفة؟

من هذا البعد تحديدا تبدأ العلوم الإنسانية والاجتماعية تواجه أصعب امتحان لها، ففي ظل منطق المردودية السريعة، تبدو بعض التخصصات التقنية أكثر قدرة على تبرير وجودها:

_المهندس يطور التقنيات.
_الطبيب يعالج الامراض.
_المبرمج يبني النظم التقنية.
فماذا عن الفيلسوف، وعالم الاجتماع، والمؤرخ، وعالم النفس، وعالم السياسة…….
يبدو للوهلة الأولى. لقصيري النظر و التحليل السطحي أن إنتاجهم أقل قابلية للقياس الفوري، ولا يحقق عوائد مادية لاصحاب الشركات الكبرى.

إن هذه المقارنة السطحية تخفي مشكلة عمية فنحن نقيس أحيانا قيمة المعرفة بأداة لا تصلح لقياسها.

فكيف يمكن أن نقيس قيمة التاريخ بعدد الوظائف التي ينتجها؟ وكيف نحسب العائد المادي للفلسفة؟ بل وكيف نقيس قيمة علم الاجتماع إذا كان جزء من وظيفته يتمثل في كشف الاختلالات التي لا تظهر في مؤشرات النمو الاقتصادي؟

إن العلوم الإنسانية والاجتماعية لا تنتج دائما أشياء قابلة للبيع، إنها تنتج ما هو أكثر اهمية….إنها تعطينا المعنى، الفهم، والنقد، والوعي، والقدرة على معرفة الإنسان والمجتمع.

فهذه وظائف لا تظهر بالضرورة في ميزانية مؤسسة، لكنها تظهر عندما تواجه المجتمعات أزماتها الكبرى.

إذا كانت التقنية تغير العالم… فإن العلوم الإنسانية تسأل إلى أين؟ والتي كيفية ؟
تكفي نظرة إلى عالم اليوم لندرك أن التقدم التقني لم يقلل الحاجة إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية، بل جعلها أكثر إلحاحا.

فمن يعتقد اليوم أن الذكاء الاصطناعي مجرد مسألة تقنية فهو مع كل الاسف واهم. أن هذا الشيء يعيد طرح الأسئلة الجوهرية،حول مستقبل العمل، والخصوصية، والحرية، والسلطة، والتعليم، والعدالة، وحدود المسؤولية الإنسانية. ليعيد سباغتها من خلال معالج و خوارز ميات تستبعد بالكلية جوهر الانسانية…..

كما ان التحول الرقمي لا يغير الأدوات فقط، بل يعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية، وأنماط التواصل، ومفهوم السلطة، وحتى الطريقة التي يبني بها الإنسان صورته عن ذاته.

كما ان النمو الاقتصادي لا يجيب وحده عن سؤال العدالة الاجتماعية، والمدينة الذكية لا تصبح بالضرورة مدينة عادلة، والتقدم العلمي لا يحدد بمفرده حدود ما ينبغي فعله…….
هنا تبرز الوظيفة التي لا تستطيع الجامعة أن تتخلى عنها حتى لو ارادت ذلك،حيث تجعل التقدم موضوعا للتفكير، و ليس مجرد موضوع للتطبيق.

إن العلوم التطبيقية تستطيع أن تخبرنا بما نستطيع فعله، لكن العلوم الإنسانية تساعدنا على طرح اسئلة أكثر اهمية لماذا نفعله؟ ولصالح من؟ وما النتائج؟
وهنا يكمن الفرق بين (القدرة) و (الحكمة).

ليعلم القارئ الكريم أن أحد الأسباب التي تعطي العلوم الإنسانية اهميتها في مجتمع المعرفة اليوم أكثر من اي وقت مضى، فالجامعة ليست مطالبة بتخربج العمال فقط، بل برسم معالم المجتمع، فالجامعة ليست مجرد محطة بين المدرسة وسوق العمل.

إنها إحدى المؤسسات التي يتشكل داخلها وعي المجتمع بذاته. وبما حوله

_ ففي مدرجات التاريخ يتعلم الطالب أن الحاضر ليس منفصلا عن الماضي.
_ وفي علم الاجتماع يتعلم أن الظواهر الاجتماعية ليست مجرد وقائع عابرة، وإنما هي نتاج علاقات وبنى معقدة وتحولات عميقة.
_ اما الفلسفة فتعلمنا أن الأفكار التي تبدو بديهية، هي في الحقيقة قابلة للسؤال و التحليل و النقد.
_ كما ان العلوم السياسية تناقش كيف تدار السلطة والمؤسسات و مختلف مصالح الدولة.
_ ثم يأتي علم النفس ليكشف تعقيدات الإنسان ودوافعه، ويصبر أغواره.

القارئ الكريم:
إن هذه المعارف لا تمنح الطالب وظيفة فقط، إنها تمنحه أدوات لفهم العالم الخارجي الذي سيعمل ويعيش داخله، فمتى نعلم أن تكوين المواطن لا يقل أهمية عن تكوين العامل…….

إن من اكبر الأخطاء أن يتصور القائممون على الجامعة أن المجتمع يمكنه الاستغناء عن التفكير النقدي بمجرد أن يقوموا بتوفير خريجين يمتلكون مهارات مهنية جيدة.
صحيح ان المجتمع الذي يمتلك التكنولوجيا قد يصبح أكثر قوة، لكنه أبدا لن يكون أكثر حكمة اذا فرط في العلوم الإنسانية و الاجتماعية.

و بالوصول إلى هذه المحطة المفصلية من هذه الدراسة، نطرح سؤالا مهما لاستكمال الصورة:

هل يعني ذلك أن ندافع عن العلوم الإنسانية كما هي عليه الان؟
هنا ينبغي أن يكون الموقف الأكاديمي اكثر صرامة، في الدفاع عن العلوم الإنسانية والاجتماعية ، لكن لا يعني الدفاع عن كل ما يحدث داخل هذا الفضاء المعرفي، فهي مطالبة بأن تعيد النظر في نفسها، وأن تتجاوز التلقين، وتكرار المفاهيم، والانغلاق داخل التخصصات، والانفصال عن المجتمع، كما يجب أن نجنبها معضلة الترف الفكري، فلا يكفي أن نردد أسماء المفكرين والنظريات؛ فالمطلوب استخدام المعرفة لفهم الواقع.
فلا يجب أن نكتفي بتدريس المجتمع من خلال الكتب؛ بل يجب أن ننزل إلى الميدان، ولا نكفي باعادة ترديد الأسئلة التي طرحت في سياقات تاريخية أخرى؛ علينا أن نطرح أسئلتنا نحن أيضا، فالعلوم الإنسانية التي لا تستطيع أن تقرأ التحولات الفعلية في مجتمعها تفقد جزءا من مشروعيتها، تماما كما تفقد العلوم التطبيقية مشروعيتها عندما تعجز عن تحويل المعرفة إلى حلول……..

عطفا على كل ما سبق نقرر أن المعركة ليست بين العلوم الإنسانية والعلوم التطبيقية، وإنما بين معرفة حية تنتج الأسئلة والحلول، ومعرفة تتحول إلى مجرد تكرار أكاديمي.

يتبع
Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram