تُعد ولاية جيجل إحدى أبهى الجواهر الطبيعية على الشريط الساحلي الجزائري، حيث يعانق البحر الأبيض المتوسط سلسلة جبال الأطلس التلي في لوحة طبيعية آسرة جعلتها عقوداً من الزمن مقصداً لعشاق السياحة والجمال. غير أن هذه الجنة الخضراء، المتشحة بغابات الزان والصنوبر والفلين، شهدت فصولاً مأساوية عندما التهمت ألسنة النيران أجزاء واسعة من غطائها النباتي، متحولة من ملاذ طبيعي هادئ إلى ساحة مواجهة نارية حصدت الأرواح وخلفّت جراحاً عميقة في الذاكرة الجمعية.
لم تكن تلك الحرائق مجرد أزمة بيئية عابرة أو خسائر مادية في الغطاء الغابي، بل تحولت إلى فاجعة إنسانية بكل المقاييس. فقد أتت النيران، الممتدة بفعل الهبّات العاتية لرياح “الشهيلي” والارتفاع القياسي في درجات الحرارة، على قرى ومداشر بأكملها، محاصرة العائلات والأهالي في منازلهم. وحصدت الجحيم المتأجج أرواح العديد من المواطنين الأبرياء، إلى جانب أبناء الواجب من أفراد الجيش الوطني الشعبي ورجال الحماية المدنية الذين ضربوا أروع صور البسالة في عمليات الإجلاء ومكافحة ألسنة اللهب. وكانت مشاهد النيران وهي تلتهم التلال المحيطة ببلديات الولاية من أشد الصور قسوة، حيث امتزج سُمّ الدخان برائحة الفقد، مخلفاً وراءه عشرات الضحايا والمصابين وحزناً خيّم على كل بيت.
ولم تتوقف تداعيات الفاجعة عند حدود النفس البشرية، بل امتدت لتصيب الاقتصاد المحلي والبيئة في مقتل. فقد فقدت جيجل آلاف الهكتارات من المساحات الغابية الاستثنائية، مما أدى إلى تدمير النظم البيئية وهلاك أصناف نادرة من الحيوانات والنباتات التي تميز حديقة تازة الوطنية وحوافها. كما تكبد السكان المحليون، الذين يعتمدون أساساً على الفلاحة الجبلية، خسائر فادحة إثر احتراق آلاف أشجار الزيتون والأشجار المثمرة، وتدمير خلايا النحل، وهلاك الثروة الحيوانية، ناهيك عن تضرر البنية التحتية ومنازل المواطنين.
ولكن وسط هذا الركام وهذه الظروف العصيبة، برز المعدن الأصيل للشعب الجزائري من خلال هبة تضامنية عارمة تقاطرت فيها قوافل الإغاثة من كل ربوع الوطن، محملة والمساعدات الطبية والغذائية ومستلزمات الإيواء. ولم تتوقف الجهود عند حدود الإخماد والتكفل الآني بالمنكوبين، بل تواصلت عبر حملات إعادة التشجير وتفعيل مخططات التعويض، لتعلن جيجل للعالم أنه مهما بلغت فداحة الخطب وجسامة التضحيات، فإن إرادة الحياة وعزيمة أهلها كفيلتان بإعادة الخضرة إلى جبالها الصامدة.