ما قل ودل

بينما بيعت الوطنية بأيدي أبنائها…الإيطالي جوليانو فضّل أن يكون فداء للثورة الجزائرية

سالم جوليانو في صورة مع إحدى حرائر الثورة في ميدان القتال

شارك المقال

تتجلى في سيرة المناضل سالم جوليانو وأمثاله من أحرار العالم واحدة من أكثر المفارقات التاريخية عمقًا وإيلامًا؛ ففي الوقت الذي اختار فيه هذا الثائر ذو الأصول الإيطالية أن يعمّد انتماءه لأرض الشهداء بالدم والنضال الميداني، اختار آخرون ممن يحملون الدماء والأصول الجزائرية الوقوف في الضفة الأخرى ضد حق شعبهم في الحرية والسيادة، مسجلين أنفسهم في صفحات الخيانة والعمالة للاستعمار, و لا يزال أذنابهم و من هم على شاكلتهم يرتعون في نفس بئر الخيانة ما وراء البحار مسجلين معادلة لن تجد لها حلا لا في العلوم الحسية و لا حتى المادية.

حيث تشكل سيرة المناضل والمجاهد سالم جوليانو نموذجًا فريدًا يختزل البعد العالمي والإنساني للثورة الجزائرية، حيث لم تكن معركة التحرير مجرد مواجهة عسكرية محددة بجغرافيا أو عرق، بل كانت ثورة مفاهيمية وإنسانية استقطبت أحرار العالم الذين آمنوا بحق هذا الشعب في الحرية والسيادة. إن التحاق رجل من أصول إيطالية ولد بحي “جوانفيل” بعنابة بصناع المجد في القاعدة الشرقية سنة 1956، وتدرجه في الصفوف الأولى حتى نيله رتبة ملازم ومشاركته في ملحمة معركة سوق أهراس الكبرى، يثبت أن الانتماء للجزائر كان خيارًا واعيًا وعميدًا يُعمد بالدم والتضحيات الميدانية لا ببطاقات الهوية.

إن استقراء مناقب سالم جوليانو وأمثاله من الثوار ذوي الأصول الأجنبية يعكس المعدن الأخلاقي الأصيل للثورة الجزائرية؛ فقد أثبتت هذه القامات أن مفهوم الوطنية في العقيدة التحريرية استند إلى مبدأ عدالة القضية والانحياز للحق ضد بطش الاستعمار. ولم تتوقف مناقبية جوليانو عند حدود العمل العسكري الميداني، بل امتدت لتشمل نزاهة الموقف السياسي بعد الاستقلال، أين حافظ على قدسية السجل الثوري الذي كتبه برصيد من الشرف والإخلاص، حتى رحيله الهادئ بعنابة عام 2019 بعد عمر حافل بالتضحية والترفع.

يمتد التحليل الجوهري لهذه الظاهرة التاريخية ليتجاوز الأشخاص إلى البنية الفكرية للثورة؛ فالأحرار الذين وهبوا أنفسهم للجزائر—من أمثال سالم جوليانو، وموريس أودان، وفرانتز فانون، وجان سيناك، و فيرناند إيفتون وغيرهم من المناضلين الأوروبيين والأجانب—دحضوا بوجودهم ونضالهم كل أطروحات الاستعمار التي حاولت تصوير الثورة على أنها صراع عائلي أو إثني. لقد شكّل هؤلاء النسيج المتضامن الذي منح الثورة صبغتها العالمية الشاملة، وأكد أن أرض الشهداء كانت وستظل قلعة لكل ثائر يرفض الظلم، وأن الوفاء للجزائر هو موقف إنساني وأخلاقي ثابت لا يتغير بتغير الأصول والأنساب.

إن هذا التباين التاريخي يفكك المفاهيم السطحية للانتماء، ليؤكد أن الوطنية ليست مجرد نسب أو ألقاب تُورث، بل هي موقف أخلاقي وعقيدة حرة؛ فبينما قدم سالم جوليانو ومعه ثوار من مختلف الجنسيات الأجنبية أروع دروس الوفاء والتضحية في معارك مثل “سوق أهراس الكبرى”، اختار الخونة والعملاء آنذاك بيع وطنهم ومساندة المحتل ضد أهلهم وإخوانهم.

ولا تزال هذه المفارقة تلقي بظلالها على الواقع المعاصر، حيث يواصل بعض من ينتسبون جغرافيًا أو تاريخيًا إلى هذه الأرض الطاهرة السير على خطى أولئك، بتجنيد أنفسهم وأقلامهم ضد مصالح وطنهم واستقراره. ويبدو جليًا أن عار العمالة والاستقواء بالخارج ضد الجزائر سيبقى وصمة تلاحق أصحابه، في حين يظل اسم سالم جوليانو وكل من وهب نفسه لرفعة هذا الوطن مخلدًا في ذاكرة التاريخ، كدليل ساطع على أن الجزائر لا تمنح حبها وخلودها إلا لمن يخلص لها في المحن.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram