
لا تبدأ الجريمة عادةً بشرارة نار، بل تبدأ بشرارة غلّ سكنت صدوراً مظلمة غابت عنها الطهارة والضمير. وفي كل مرة تُطلق فيها الجزائر مبادراتها الطموحة لتشجيع التشجير وتوسيع المساحات الخضراء، تمتد أيدي الغدر في الخفاء لتحويل الأمل إلى رماد، وكأن تلك الخضرة استفزت سواد نفوسهم الحاقدة.
قضية الحرائق المفتعلة التي تشهدها البلاد من حين لآخر ليست مجرد حوادث عابرة أو كوارث طبيعية، بل هي عدوان مبيّن وأسلوب من أساليب الحرب القذرة التي تشنها عناصر مأجورة ونفوس شريرة.
تخوض الجزائر اليوم معركة صلبة على جبهتين: جبهة خارجية ضد أعداء متربصين بسيادتها ومواقفها الثابتة، وجبهة داخلية ضد طابور خامس يترّصد بأمنها البيئي والاقتصادي، ويستهدف سكينة مواطنيها ومقدرات أجيالها.
إن استهداف الرصيد الغابي الوطني في أوقات الذروة وبطرق محسوبة لا يعكس إلا حقيقة واحدة: النفوس التي أحرقت الشجر والحيوان وقتلت وشردت العائلات هي نفوس محروقة بالغلّ والحسد مسبقاً، فالذي يسهل عليه قتل نفس لا إشكال لديه في تدمير بيئة بلده, فهو لا يملك قلباً أبيض يحب الخضرة، بل يحمل قلباً أسود لا يبصر إلا الدمار.
ومهما بلغت الضخامة في الاستثمارات والجهود الوطنية لتجسيد المشاريع الخضراء، فإن حمايتها واستمراريتها تظلان مرهونتين بوجود قلوب بيضاء ونقية؛ قلوب تحمل ضمائر حية تدرك أن الشجرة أمانة وطنية وليست مجرد حطب، وتشّكل جبهة داخلية متماسكة تعي حجم المؤامرات وتتحلى باليقظة لتفويت الفرصة على المتربصين وأصحاب الأجندات التخريبية، مع ترسيخ ثقافة مواطنة صادقة تجعل من كل مواطن حارساً لبيئته ومدافعاً عن استقرار بلده ضد أي إجرام منظم.
ستبقى الجزائر، بمؤسساتها وشعبها الواعي، سداً منيعاً في وجه كل من يحاول إحراق أملها أو كسر إرادتها. فالأشجار التي تحترق ستُغرس مكانها ملايين الشجيرات، أما النفوس المريضة التي ارتضت أن تكون أدوات رخيصة في أيدي الأعداء، فستظل محترقة ببغضها، ولن تزيد الجزائر إلا صلابة وإصراراً على مواصلة معركة البناء و بث الخضرة.