تثبت محطات التاريخ أن الأمة الجزائرية تمتلك جينات استثنائية في التعاطي مع الأزمات؛ جينات تجعل من محاولات الترهيب والتخريب مجرد وقود يذكي التلاحم الشعبي بدلاً من الإرتباك. إن الاعتداء على البيئة والغابات ليس مجرد جريمة ضد الطبيعة فحسب، بل هو استهداف صريح لرئة الوطن ورمزيته، ينفذه من ارتضوا لأنفسهم لعب دور الأداة في أيدي قوى لا تريد لهذه البلاد خيراً.
وفي هذا السياق، يأتي التكييف القانوني والردع الحاسم ليعيد ترتيب الأوراق؛ فلا مكان للتراخي أمام من يبيع ضميره. و في ذات الصدد عرف الإجراء القضائي الأخير بتطبيق عقوبة الإعدام على كل من تثبت عليه جريمة إحراق الغابات تزكية الشعب الجزائري وتأييده الوجدانـي والمؤسساتـي لتفعيل هذه العقوبة بحق الخونة، ومشعلي الحرائق، ومختطفي الأطفال، التي لم تكن مجرد رد فعل عابر، بل جاءت كتعبير صريح عن إرادة شعبية صلبة ترى في هذه الجرائم تهديداً مباشراً لأمن الوطن وسكينته.
فالشعب الذي قدّم ملايين الشهداء لحماية أرضه وعرضه، لا يمكنه التسامح مع أدوات العبث والتآمر؛ ومن هذا المنطلق، يمثل القصاص العادل سياجاً رادعاً يضع حداً لكل من تسول له نفسه المساس بأرواح الأبرياء أو التعدي على مقدرات الأمة. فالالتفاف الشعبي حول تطبيق أحكام التشريع الرادعة يجّسد أعلى درجات الوعي الوطني، يتبين للجميع أن حماية رئة الجزائر وأطفالها واستقرارها خط أحمر تتكامل فيه الإرادة الشعبية مع قوة القانون.
وكما صرّح رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون في تصريحه ليوم أمس الذي أوضح من خلاله حقيقة معدن هذا الشعب قائلا: “الأمة الجزائرية تشبه طائر الفينيق الأسطوري، كلما احترق ينبعث من جديد من بين الرماد أكثر قوة وتماسكاً”. هذا التشبيه البليغ يختصر فلسفة المواجهة؛ فالنيران التي أُريد لها أن تكون عنواناً للانكسار، تحولت بفعل الوعي والتواد إلى طاقة جامعة ترّص الصفوف وتشّد أزر المؤسسات.
غير أن الوعي المكتمل يستوجب التمييز بين الخطر الخارجي والمندسين في الداخل، وهو ما يستدعي الحذر من أولئك الذين يرتدون أقنعة الزور. ولعل التحذير الرئاسي السابق يضع النقاط على الحروف بدقة حين نبه إلى “خاين الدار، ذاك الذي يرتدي ثوب الوطنية زوراً وفي الوقت نفسه يتآمر مع قوى خارجية تضايقها خطوات الجزائر الجديدة واستقلال قرارها”. إن سقوط هذه الأقنعة أمام صلابة الشارع يثبت أن الاستقواء بالخارج هو رهان على سراب، وأن حماية الوطن تظل مسؤولية تاريخية يحرسها شعب لا يبيع أرضه ولا ينسى شهداءه.