لا توجد خيانة أشد مرارة من تلك التي تستهدف قلب الوطن ورئته، حيث تتجلى دناءة النفوس في أحط صورها عندما تمتد يد العبث لتشعل ألسنة النيران في الأشجار والحقول الخضراء، ملمّحة إلى رغبةٍ دفينة في تحويل الجنان إلى رماد ومقابر.
لقد ظنّ أولئك الذين استبدلوا ظل الحياة بجحيم الدمار أن الحريق كفيل بفرض واقعٍ جديد أو طمس عار فسادهم، غافلين عن حقيقة ناصعة أن الأوطان المعّبدة بدماء الشهداء لا تحرقها يد غادرة، وأن الجرائم لا تسقط بالتقادم ولا تتوارى خلف سحب الدخان.
إن المعضلة الكبرى لمن يخطط لهذه الجرائم مهما استعلى بموقعه أو تسّتر خلف منصبه تكمن في جهله المركب بالتاريخ وعمى بصري يمنعه من فهم “العقلية الجزائرية”.
هذا العقل الصلب الذي يتشكل كالجلمود أمام الأزمات، ويستمد قوته من أرشيف نضالي عريض، يرفض منطق الانكسار أو المساومة.
فالشعب ليس حجراً في رقعة شطرنج، بل هو الصخرة الصماء التي تتحطم عليها دائماً أوهام العابثين والمفسدين.
والأكثر وهماً من الخائن نفسه، هو من يتكئ على حلفاء الخفاء أو يستقوي بقوى خارجية ،فمن ظن أن حلفاء الغدر في المنطقة قادرة على توفير مظلة حماية لجرائمه، فقد قصف بنفسه في أودية الوهم.
إن التاريخ يخبرنا بأن القوى الأجنبية تستخدم الأوراق ثم تطرحها جانباً، ولن تجدي الاستغاثة بباطل حين تقف الأرض والشعب في وجه العدوان.
إن مصير من سفك الدماء ودمّر الدار لا ينفصل عن مصير الفجرة عبر العصور فالنار التي أضرموها في الشجر ستأكل حطب مخططاتهم أولاً، والدائرة تدور دائماً على الباغين.
ستظل هذه الأرض حرة مكّرمة، يلفظ ترابها طفيليات الخيانة، ويبقى الوعي الشعبي هو الحارس الأمني الذي يقّلم أظافر كل من تسّول له نفسه المساس بحرمة الجزائر.
دامت الجزائر حرة بأبنائها…وفيت لشهدائها بنضالها