ما قل ودل

من الحلبة إلى الميدان الثوري…ملاكمون جزائريون كتبوا التاريخ بدمائهم وقفازاتهم

الشهيد علي لابوانت في وسط الصورة أثناء ممارسته الملاكمة في نادي الهلال العاصمي

شارك المقال

تشكل الذاكرة الوطنية الرياضية الركيزة الأساسية في صون الهوية الجزائرية وترسيخ قيم النضال لدى الأجيال المتلاحقة. و لعبت دورا أساسيا في تجسيد روافد الثورة التحريرية المظفرة، حيث لم تكن الرياضة مجرد نشاطٍ بدني أو تنافسي، بل كانت خندقاً متقدماً من خنادق المواجهة مع الاحتلال، وحلبةً أسمعت العالم صوت القضية الجزائرية العادلة. وقد برزت رياضة الملاكمة — أو ما يُعرف بـ “الفن النبيل” — كواحدة من أكثر الرياضات التي التحم فيها العرق بالدم، واقترن فيها الشغف الرياضي بالتضحية الوطنية.

لم تكن الملاكمة الجزائرية معزولة عن النبض الشعبي، بل خرّجت قامات ثورية خالدة استبدلت قفازات الرياضة بسلاح النضال. ويُعد الشهيد البطل “علي لابوانت” أيقونة معركة الجزائر أحد أبرز الأمثلة على هذا التلاحم، إذ صقلت هذه الرياضة شجاعته وبنيته الجسدية ليتحول من رياضيٍّ هاوٍ إلى قائد فدائي هزّ أركان المستعمر في قلب القصبة. كما التحقت أعداد غفيرة من الملاكمين بصفوف جبهة التحرير الوطني وفوج الصدمة، مسّخرين لياقتهم وانضباطهم التكتيكي للقيام بالعمليات الفدائية المعقدة.

وإلى جانب العمل المسلح داخل الوطن، أدركت قيادة الثورة أهمية “التدويل”، فكان الملاكمون الجزائريون في المحافل الدولية سفراء ينقلون صوت الشعب الأعزل إلى الرأي العام العالمي، وفي مقدمتهم شريف حامية، وحسين خالفي، وعمر قويدري، والهواري قوديح. وتبقى حادثة الملاكم شريف حامية إحدى أنصع صفحات التاريخ الرياضي الثوري، حين فضّل التضحية بلقب بطولة العالم أمام الملاكم البريطاني “هوجان كيد باسي”، رافضاً أن يُرفع العلم الفرنسي باسمه ومتنازلاً عن المجد الشخصي من أجل سيادة وطنه، ليرسل رسالة مدوية للرأي العام الدولي مفادها أن قضية الحرية أسمى من كل الألقاب.

إن هذه التضحيات النبيلة على الحلبات الدولية هي التي عبّدت الطريق لاحقاً للرياضة الجزائرية لتعتلي منصات التتويج في عهد الاستقلال، حيث كانت الملاكمة صاحبة الشرف في إهداء الجزائر أولى ميدالياتها الأولمبية بفضل البطل المرحوم مصطفى موسى و الزاوي محمد، ليتوج هذا المسار بالميدالية الذهبية التاريخية للراحل حسين سلطاني، مكّرسين امتداد روح النضال والتميز لدى الرياضي الجزائري. ومن هنا يأتي تنظيم الأيام الدراسية والندوات العلمية بهدف التوثيق الأكاديمي لهذه الملاحم، من أجل ربط الجيل الجديد بأمجاده القومية من خلال إبراز كيف حُوّلت الحلبة الرياضية إلى منبر للنضال السياسي وإصداء صوت الثورة التحريرية.

لذى فمرافقة ورعاية مثل هذه الفعاليات العلمية من قبل القطاعات المعنية يمثل خطوة أساسية لنقل المأثور النضالي من الذاكرة الشفوية إلى المراجع التاريخية المعتمدة، بما يضمن صون هذا الإرث الفريد من الاندثار. فمن خلال تسليط الضوء على هذه الصفحات المشرقة، يدرك الشباب أن صرح السيادة الوطنية بُني بتظافر كافة أطياف المجتمع الجزائري، وأن قفازات الملاكمة التي رفعت اسم الجزائر في الحلبات العالمية لم تكن سوى امتداد للأيادي التي رفعت السلاح دفاعاً عن حرية هذا الوطن وكرامته.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram