ما قل ودل

وهران التي كانت…حين كان ابن البلد يحمي الغريب ويوقف العراك

شارك المقال

لم تكن وهران، خلال سبعينيات القرن الماضي وحتى سنوات الثمانينيات، مدينة يخشى فيها الإنسان من الإنسان، ولا كان الشارع مسرحاً مفتوحاً للجريمة كما باتت بعض مظاهرها تثير القلق اليوم. كانت المدينة، رغم بساطتها وقلة إمكاناتها، تمتلك شيئاً لا تشتريه التكنولوجيا ولا توفره الكاميرات “هيبة المجتمع وقوة التربية وروح التضامن بين الناس”.

كان ابن البلد يمشي في شوارع وهران إلى جانب الزائر والغريب دون حواجز أو حسابات، وكان الوهراني يرى في السائح ضيفاً ينبغي إرشاده ومساعدته، لا فرصة لاستغلاله. فإذا تاه هذا الأخير عن وجهته، وجد من يدله عليها، وإذا احتاج إلى مساعدة، وجد من يمد له يد العون, كانت تلك التفاصيل الصغيرة تصنع مجتمعاً كبيراً.

حتى شجارات الصبية، التي لم تكن غائبة عن الأحياء، كان لها في كثير من الأحيان «حكم» لا يحتاج إلى محكمة. فإذا تعارك طفلان في الشارع، تدخل عجوز أو كهل عابر سبيل، فيوقف العراك، وقد يوبخ هذا ويضرب ذاك، ثم ينتهي الأمر بقبول الطرفين لحكم ذلك الرجل المجهول.

لم يكن أحد يسأله: من أنت حتى تتدخل؟

كانت الإجابة واضحة في ثقافة ذلك الزمن “أنت كبير، وأنا أحترمك، وأنت تتدخل لأنك ترى خطأً يحدث أمامك”.

أما سيارة الشرطة، فكان مجرد ظهورها في الشارع كفيلاً، في كثير من الأحيان، بإعادة الهدوء إلى المكان. كانت لها هيبة تجعل من يفكر في تجاوز القانون يعيد حساباته، لا لأن الشرطة كانت موجودة في كل زاوية، وإنما لأن المجتمع نفسه كان يملك رادعاً أخلاقياً واجتماعياً قوياً.

اليوم، تغير المشهد كثيراً, لم تعد الجريمة، حين تقع، تمر من دون أثر. الهاتف المحمول أصبح شاهداً دائماً، والكاميرات توثق ما يحدث في وضح النهار، وكاميرات المحلات باتت تسجل السرقات والاعتداءات لحظة وقوعها، وأصبحنا نرى مشاهد لم يكن المجتمع الوهراني معتاداً على رؤيتها بهذه الصورة.

وهنا، بالفعل، اختلط الحابل بالنابل, لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس فقط: لماذا انتشرت هذه المظاهر؟ بل أيضاً: أين اختفت التربية التي كانت تمنعها قبل أن تصل إلى الشارع؟

أتذكر وهران القديمة، وأتذكر معها المدرسة والمعلم.كان المعلم، في زمن مضى، شخصية لها مكانتها وهيبتها داخل المجتمع. وكان التلميذ يعرف أن ما يحدث داخل القسم يبقى بداخله. وإذا عاقبه معلمه على خطأ، لم يكن أول ما يخطر بباله أن يعود إلى والديه للاحتجاج على المعلم، لأنه كان يعرف أن والديه قد يسألانه أولاً: ماذا فعلت حتى عاقبك المعلم؟

ولست هنا أدعو إلى العنف ضد الأطفال أو إلى العودة إلى أساليب تربوية تجاوزها الزمن، فالعنف ليس تربية، ولا الإهانة وسيلة لبناء الأجيال. لكنني أتحدث عن هيبة المعلم وانضباط المدرسة واحترام الأسرة للوظيفة التربوية، وهي قيم يبدو أننا في حاجة إلى استعادتها، ولكن بأساليب حديثة تحمي الطفل وتحفظ في الوقت نفسه مكانة المربي.

لقد تغيرت الأحوال، وتغيرت معها الأسرة والمدرسة والشارع والإعلام وحتى طبيعة العلاقات بين الناس. وصارت التكنولوجيا حاضرة في كل تفاصيل حياتنا، لكنها لا تستطيع أن تحل محل التربية.

فالكاميرا قد توثق السرقة، والهاتف قد يصور الاعتداء، والشرطة قد تتدخل بعد وقوع الجريمة، لكن السؤال الأهم هو: من يمنع الشاب أو الطفل من التفكير في الجريمة أصلاً؟

هنا تبدأ الحكاية من البيت, فالأسرة هي المدرسة الأولى، وإذا نجحت في غرس احترام الآخر، واحترام الكبير، واحترام القانون، والتمييز بين الحق والباطل، فإن جزءاً كبيراً من مهمة المدرسة والمجتمع يصبح أسهل.

أما إذا دخل الطفل المدرسة وهو يفتقد كل هذه القيم، فإننا نطلب من المعلم أحياناً أن يصلح ما أفسدته سنوات من التربية، وهذا أمر بالغ الصعوبة.

لذلك، فإن الحديث عن إصلاح المجتمع لا ينبغي أن يبدأ دائماً من الشارع، ولا من مراكز الشرطة، ولا من كاميرات المراقبة، وإنما يجب أن يبدأ من بيت الأسرة.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram