ما قل ودل

من شيخ المرجى إلى مخبري العصر الحديث…الخيانة الرقمية في خدمة الطابور الخامس

في الصورة قمة جبل مرجاجو و القلعة التي حررها جيش محمد بن عثمان الكبير

شارك المقال

ليست كل الهزائم تبدأ في ميادين القتال، وليست كل عمليات الاحتلال تُحسم بالمدافع والجيوش وحدها. ففي كثير من صفحات التاريخ، كان للمعلومة التي يقدمها العميل أو المتعاون أثر لا يقل خطورة عن السلاح، لأن المحتل يستطيع بجاسوس واحد أن يعرف ما لا يستطيع معرفته بجيش كامل.

وهذه واحدة من أكثر الحقائق قسوة في تاريخ الاحتلالات فالمحتل قد يأتي من وراء البحر، لكنه يحتاج دائماً إلى من يعرف له الأرض من الداخل.

ومن هنا تبدو حكايات العمالة في التاريخ الجزائري جديرة بالتوقف عندها، ليس من باب اجترار الماضي، وإنما لفهم قاعدة لا تزال صالحة إلى اليوم: عندما يجد المحتل من يفتح له الباب، تصبح مهمة السيطرة أسهل بكثير.

وفي تاريخ وهران، تبرز رواية شعبية وتاريخية مرتبطة بجبل مرجاجو، ذلك الجبل الذي يشرف على المدينة ويبلغ ارتفاعه نحو 429 متراً، والذي أصبح أحد أبرز معالم وهران التاريخية والجغرافية. وتؤكد الدراسات التاريخية والأثرية أهمية الموقع الاستراتيجية، فيما ارتبطت به تحصينات إسبانية، أبرزها حصن سانتا كروز.

حكاية الشيخ الذي دلّ الإسبان على أهمية الجبل

تتداول الروايات المحلية المتعلقة بتاريخ مرجاجو قصة شيخ قبيلة ارتبط اسمه بالرواية الشعبية لتسمية الجبل، وقيل إنه كان على صلة بالإسبان وساعدهم في اختيار موقع استراتيجي لبناء حصن يتيح مراقبة وهران والمرسى الكبير والمناطق المحيطة.

وتورد بعض المصادر التي تناولت تاريخ المنطقة من بينها كتاب تاريخ الجزائر العام للعلامة عبد الرحمن الجيلالي روايات عن شيخ موالٍ للإسبان كان له دور في تسهيل أعمال التحصين العسكري في المنطقة. كما تذكر روايات أخرى أن اسم «مرجاجو»  ارتبط بقصة «شيخ المرجى».الذي نصح حسب رواية عبد الرحمن الجيلالي الإسبان ببناء قلعة عسكرية تراقب الخصوم من جهتين , من جهة المرسى الكبير و من جهة أخرى من قبل مدينة وهران.

و لا يزال الجبل يسمى بإسم الشخ العميل و يعرف بجبل مرجاجو, أين دفن فيه الإسبان ذاك الشيخ كي لا يعطي مثل هكذا معلومات لغيرهم, و كان هذا بمثابة جزاء سنيمار لكل عميل.

للتذكير أن نفس قمة الجبل التي عرفت خذلان التآمر عرفت أيضا بعدها تحالف المجاهدين لاسترداد وهران , أين رابط طلبة جيش الباي محمد بن عثمان الكبير عند حروب استرداد وهران سنة 1792, لكي يثبت مجاهدو تلك الفترة أنه لا يمسح عار خيانة سوى بدماء زكية شريفة.

الاحتلال يحتاج إلى عين من الداخل

ربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي ينبغي أن نستخلصه من التاريخ, فالجندي الأجنبي يعرف كيف يحمل السلاح، لكنه لا يعرف بالضرورة أين يختبئ أهل الأرض، ولا يعرف ممراتها، ولا يعرف نقاط ضعفها، ولا يعرف تركيبتها الاجتماعية والسياسية.

أما المخبر المحلي فيعرف الطرق, و يعرف الأشخاص, ويعرف نقاط الضعف, ويعرف أحياناً ما لا يستطيع جيش كامل أن يعرفه.

ولهذا لم تكن العمالة في التاريخ مجرد موقف سياسي عابر، وإنما كانت في كثير من الأحيان جزءاً من منظومة الاحتلال نفسها.

وإذا كان المحتل يملك القوة العسكرية، فإن العميل يمده بما هو أخطر: المعلومة.

فالبندقية تستطيع إسقاط رجل، لكن المعلومة تستطيع إسقاط مدينة.

من “الطابور الخامس” إلى مخبر العصر الرقمي

تغير الزمن، وتغيرت أدوات الاحتلال والتأثير، لكن قاعدة المعلومة لم تتغير.في الماضي كان المخبر ينقل الأخبار شفوياً، أو يقود الجندي إلى الطريق، أو يكشف مواقع المقاومين، أو يحدد نقاط القوة والضعف.

أما اليوم، فقد أصبحت المعلومة أكثر قيمة، وأصبح الوصول إليها أسرع.إذ نحن نعيش في عصر تستطيع فيه صورة واحدة، أو معلومة واحدة، أو موقع جغرافي واحد، أو تسريب واحد، أن تتحول إلى مادة تستغلها جهات معادية في بناء تصور كامل عن مجتمع أو مؤسسة أو منطقة.

وهنا لا يتعلق الأمر بالضرورة باحتلال عسكري مباشر كما عرفته الجزائر في الماضي، وإنما بأشكال جديدة من الصراع: الحرب المعلوماتية، الحرب السيبرانية، التضليل، الاختراق، التجسس الاقتصادي، استهداف المؤسسات، والتأثير في الرأي العام.

ومن هنا فإن “مخبر العصر الحديث” قد لا يحمل بندقية، ولا يرتدي زياً عسكرياً، وقد لا يبدو أصلاً كعميل في الصورة التقليدية.

قد يكون مجرد شخص يستهين بالمعلومة التي ينشرها, أو شخص يتعمد تسريب أسرار مؤسسة, أو شخص يجعل من شبكات التواصل الاجتماعي نافذة مجانية لمن يريد معرفة تفاصيل لا ينبغي نشرها.

أو من يحاول ضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات بلده, وهنا يصبح الوعي مسؤولية جماعية.

الخيانة تبدأ عندما يصبح الخارج أهم من الداخل

لا يعني الحديث عن العمالة أن كل اختلاف في الرأي خيانة، ولا أن كل انتقاد للمؤسسات أو السياسات يمكن وصفه بالعمالة.

الدولة القوية لا تخاف من النقد، والمجتمع السليم لا يحوّل كل معارض إلى عدو.

لكن هناك فرقاً شاسعاً بين الاختلاف السياسي المشروع وبين تقديم معلومات حساسة أو خدمات أو تسهيلات لجهة تستهدف الوطن ومؤسساته.

وهنا تحديداً يجب أن يكون معيار الوطنية واضحاً. فالوطنية ليست شعارات ترفع، ولا منشورات تكتب، وإنما هي في لحظة الاختبار: لمن تعطي معلوماتك؟ ولمن تفتح بابك؟ ولصالح من تستخدم معرفتك؟

لقد علمنا التاريخ أن المحتل قد يرحل، لكن آثار العمالة تبقى طويلاً في ذاكرة الشعوب.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram