تسعى بعض الأبواق الحديثة إلى وضع الجزائر في كفة مقارنة مع كيانات حديثة العهد، وهو طرح يفتقد لأبجديات المنهج التاريخي والعلوم السياسية. فالمقارنة لا تستقيم إلا بين نِدَّين يتشاركان الأرضية والوزن الحضاري؛ أما وضع دولة ممتدة في عمق التاريخ البشري في مواجهة كيان تأسس في السبعينيات، فهو محاولة لمقارنة “الوجود” بالعدم.
يقف التاريخ القديم والحديث شاهداً على أسبقية الجزائر وريادتها عبر العصور؛ ففي الوقت الذي تدل فيه الشواهد الأثرية على استيطان الإنسان البدائي لأرض الجزائر منذ مئات الآلاف من السنين، وصولاً إلى قيام الدولة النوميدية الموحدة، كانت تلك الأقاليم الأخرى خارج خارطة الجغرافيا السياسية. امتد هذا الزخم الحضاري عبر العصور الإسلامية التي شهدت ميلاد دول وسلالات تركت بصمتها في الفكر والعمران، كالرستميين، الحماديين، الموحدين، والزيانيين.
وفي العصر الحديث، كانت الجزائر القوة البحرية الضاربة في حوض البحر الأبيض المتوسط، حيث فرض الأسطول الجزائري هيبته على كبرى إمبراطوريات العالم وفرض الإتاوات والرسوم لحماية الملاحة الدولية. وحين تعرضت البلاد للاحتلال، خاض الشعب الجزائري مقاومات شعبية ملحمية قادها رجال في قامة الأمير عبد القادر، وصولاً إلى ثورة التحرير المظفرة التي قدمت قوافل من الشهداء أمثال العربي بن مهيدي، أحمد زبانة، وديدوش مراد، لتصبح ملهمة لكل أحرار العالم.
أمام هذا الإرث الحضاري المدين بالدم والسيادة، تبرز التساؤلات البديهية حول مكانة تلك الكيانات التي لم تظهر على الخارطة إلا سنة 1972. إن الفارق بين من يستمد وجوده من نضال عريق وتاريخ ممتد لأقوام وحضارات، وبين من بُني وجوده على صدف جغرافية حديثة، يجعل أي محاولة للمقارنة مجرد عبث لا يصمد أمام الحقائق والوثائق التاريخية.