ما قل ودل

الدبلوماسية الجزائرية حاضرة منذ الأزل…جواز سفر بحري يفضح ادعاءات فرنسا

شارك المقال

في زمن كانت فيه البحيرة المتوسطية مسرحاً لصدامات الجبابرة وصراع النفوذ البحري، لم تكن العلاقات بين القوى العظمى تقتصر على المدافع والمواجهات؛ بل كانت تُدار كذلك بدبلوماسية صارمة ووثائق إدارية فائقة الدقة.

اليوم، يطل علينا التاريخ بحديثه الشيّق من خلال وثيقة تاريخية استثنائية لا تزال محفوظة لدى الأرشيف الفرنسي تمسّ جوهر العلاقات الدبلوماسية والبحرية بين الجزائر ومملكة فرنسا في نهايات القرن السابع عشر: إنه «جواز سفر بحري» (Passeport maritime) يعود لعام 1689.

أكثر من مجرد ورقة…وثيقة سيادية عابرة للبحار

هذه الوثيقة ليست مجرد إيصال إداري أو ورقة عابرة، بل هي نموذج رسمي لتصريح مرور بحري أُصدر وطُبع بباريس سنة 1689 على يد “فريدريك ليونار” (Frédéric Léonard)، المطبوعاتي الرسمي للملك لويس السادس عشر.

كان هذا التصريح يُستكمل بدقة ببيانات السفينة، واسم ربانها، ومسار رحلتها التجارية أو العسكرية، ليُمنح لها حق حماية الملاحة والسير الآمن في أعالي البحار، بموجب الاتفاقيات والتفاهمات المبرمة بين دولتين سياديتين.

من لغة القصف إلى منطق المعاهدات

يأتي هذا الجواز البحري في أعقاب حقبة شابهت الغليان بين الجزائر وفرنسا، تخللتها مواجهات بحرية حامية وقصف فرنسي متكرر على الشواطئ الجزائرية خلال ثمانينيات القرن السابع عشر.

ويُوثق هذا المستند مرحلة تثبيت السلام التي أعقبت اتفاقية عام 1684 (والتي جُددت في المعاهدة الشهيرة لـ 100 عام سنة 1689)، في عهد أحد أبرز قادة الجزائر في ذلك العصر: الداي الحاج حسين الملقب بـ “ميزومورتو”.

الوثيقة تعكس التركيبة السياسية والمؤسساتية لدولة الجزائر آنذاك، حيث تُبين بالأسماء والصفات هيكل الحكم وممثليه الملتزمين بالمعاهدة:

  • داي الجزائر (السلطة التنفيذية والنية العسكرية).

  • المفتي والقضاة (السلطة القضائية والشرعية).

  • أعضاء الديوان (المجلس الاستشاري والعسكري).

كما يُذكر في السياق ذاته اسم “آن هيلاريون دي كوستنتان” (Anne Hilarion de Costentin)، كونت تورفيل (Comte de Tourville)، أحد أكبر قادة البحرية الفرنسية في عهد الملك ويس السادس عشر.

يُشكل هذا “الجواز البحري” شهادة حية على أن الجزائر عكس الترّهات الفرنسية كانت و لا تزال رغم حقد الحاقدين دولة متكاملة الأركان و الأسس، حيث تبرز ذات الوثيقة أنه  رغم الفترات العصيبة من الحروب والصدامات مع فرنسا، كانت الجزائر تدرك تماماً أهمية إيجاد أطر تنظيمية تضمن الملاحة والتجارة بين ضفتي المتوسط.

إن وثيقة إدارية بصرية كهذه تُعد نافذة ثرية نطل منها على تعقيدات التاريخ الجزائري-الأوروبي، وتُذكرنا بمركزية الجزائر كقوة بحرية ذات سيادة صالت وجالت في الحوض الغربي للمتوسط خلال العصر الحديث.

المصدر: Archives Nationales de France

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram