يقول المثل الجزائري: “اللي يعيب الذهب يكذب”، وهو مثل يبدو أن الإماراتيين أصحاب الحملات الإلكترونية الأخيرة بحاجة إلى فهم معناه قبل أن يقرروا خوض معاركهم الافتراضية ضد الجزائر. فهناك فرق شاسع بين من يختلف سياسياً مع دولة، وبين من يحاول العبث بتاريخ شعب كامل والتطاول على شهدائه ورموز ثورته، وكأن التاريخ يمكن محوه بتغريدة أو منشور أو حملة منظمة خلف شاشات الحواسيب.
ويبدو أن من يدفع باتجاه هذه الحملات قد أخطأ العنوان تماماً. فالجزائر ليست دولة وُلدت من صفقة سياسية عابرة، ولا شعباً حصل على استقلاله في قاعة مفاوضات من دون أن يدفع ثمناً باهظاً. الجزائر صنعت استقلالها بدماء أكثر من مليون ونصف المليون شهيد، وبسبع سنوات ونصف من الثورة المسلحة، وبعقود طويلة من المقاومة التي سبقت أول نوفمبر 1954 بسنوات وعقود.
لقد كانت الثورة الجزائرية واحدة من أعظم حركات التحرر الوطني في القرن العشرين، لأنها لم تقبل باستقلال منقوص، ولم تقبل أن تُجزّأ الجزائر أو أن يُفصل جنوبها الصحراوي عن شمالها. وحين كان الاستعمار يريد الاحتفاظ بجزء من البلاد تحت سيطرته، كان جواب الجزائريين واضحاً: الجزائر واحدة، من البحر إلى أقصى الجنوب، والاستقلال لا يكون إلا كاملاً.
وهنا تحديداً يظهر الفرق بين تاريخ يُكتب بالدم والتضحيات، وتاريخ يُراد له أن يُكتب بمنشورات مواقع التواصل الاجتماعي. فالجزائريون لم يختاروا الطريق الأسهل، ولم ينتظروا أن تهبط عليهم الحرية من السماء، بل حملوا السلاح في الجبال والقرى والمدن، وخاضوا معارك غير متكافئة ضد واحدة من أقوى القوى الاستعمارية في ذلك الوقت.
ومن المفارقات أن يأتي اليوم من يحاول تلقين الجزائريين دروساً في الوطنية والسيادة، بينما تتحول بعض القضايا الإقليمية إلى ملفات مفتوحة على التنازلات والحسابات السياسية. ومن الطريف أن تتحول المعارك التي لم تُحسم على الأرض إلى معارك على لوحة المفاتيح، وكأن الضغط على زر الإرسال يمكن أن يعوض ما عجزت عنه موازين التاريخ والجغرافيا.
أما قضية الجزر التي لا تزال محل نزاع بين الإمارات وإيران، فهي مثال آخر على أن الحديث عن السيادة مسؤولية ثقيلة، وليس مجرد شعار يرفع عندما يكون مناسباً للمشهد السياسي. ومن يريد أن يقدم نفسه مدافعاً عن الأرض والحدود والسيادة، عليه أولاً أن يبرهن على ذلك في الملفات التي تخصه، لا أن يحاول تحويل أنظار الآخرين نحو تاريخهم وشهدائهم.
والأمر نفسه ينطبق على نظام المخزن، الذي لا يحتاج الجزائريون إلى أن يذكّروه بأن الجزائر لا تحتاج إلى استعارة تاريخ غيرها حتى تثبت وجودها، لأن تاريخها موجود في جبال الأوراس، وفي الونشريس، وفي القبائل، وفي الغرب الجزائري، وفي الجنوب، وفي كل قرية ومدينة دفعت من أبنائها ثمناً من أجل الحرية.
ولعل أكثر ما يثير السخرية في هذه الحملات أن بعض من لم يحملوا بندقية في وجه استعمار، ولم يخوضوا حرب تحرير وطنية، باتوا اليوم يحاولون محاكمة ثورة الجزائر من خلف شاشات مضيئة. وكأن التاريخ أصبح مسابقة في عدد الحسابات الوهمية، أو أن بطولة الشعوب تقاس بعدد الوسوم المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي.
وإذا كانت بعض الجهات قد اختارت أن تجعل الفضاء الإلكتروني ساحة لمعركتها مع الجزائر، فلتعلم أن الجزائريين يعرفون جيداً الفرق بين الحرب الحقيقية والحرب الافتراضية. الحرب الحقيقية خاضها أجدادهم في الجبال والشوارع والسجون والمعتقلات، أما الحرب الافتراضية فهي تلك التي تُخاض اليوم من وراء الحسابات المستعارة ولوحات المفاتيح.
وقد يكون أفضل درس يمكن أن تقدمه الثورة الجزائرية لأصحاب هذه الحملات بسيطاً جداً: قبل أن تهاجم تاريخ شعب آخر، تأكد أولاً من أن تاريخك يمنحك الحق في إلقاء المواعظ. وقبل أن تسخر من شهداء الآخرين، تذكر أن السيادة ليست منشوراً إلكترونياً، والوطن ليس وسمًا، والاستقلال ليس هدية.