لم تعد الخسائر في الحروب الحديثة تتوقف على مواجهة الجيوش وتدمير المنشآت العسكرية في ساحات المعارك، بل أضحت المعركة الأشد خطورة تخاض في الظل، أبطالها أفراد أو مجموعات يعملون داخل نسيج الوطن لصالح أطراف خارجية؛ أولئك هم من يُطلق عليهم “الطابور الخامس”.
يعود جذور المصطلح إلى الحرب الأهلية الإسبانية، حين صرح الجنرال إيميليو مولا بأن لديه أربعة طوابير تحاصر مدريد، وطابورًا خامسًا داخلها ينتظر لحظة الصفر للتحرك، ليتكرس المصطلح بعد ذلك في الأدبيات السياسية والعسكرية معبرًا عن واحدة من أقدم حيل الصراع البشرية وأكثرها فاعلية، وهي إسقاط القلاع من الداخل.
تكمن الخطورة الكبرى للطابور الخامس في كونه يتخفى تحت غطاء المواطنة وممارسة الحقوق العادية، مما يجعل اكتشافه أمرًا معقدًا يتطلب يقظة أمنية وشعبية متصلة. لا ينحصر نشاط هذه الفئات في الصور التقليدية للتجسس أو نقل المعلومات الحساسة إلى العدو، بل يمتد ليشمل بث الشائعات، وتفكيك الجبهة الداخلية، وزراعة التشكيك في المؤسسات الوطنية، واستغلال الثغرات الاجتماعية أو الاقتصادية لتحويلها إلى أزمات مستعصية. يمارس هذا الخطر أدواره عبر منصات الإعلام المتعددة، الفضاء الرقمي، والكيانات المحلية المجهزة للاستغلال، مستهدفًا إضعاف الروح المعنوية للجمهور وإرباك صُنّاع القرار في الأوقات الحرجة.
إن مواجهة هذا التهديد الخفي تعتمد بالدرجة الأولى على رفع مستوى الوعي الجمعي وتعزيز الحصانة الفكرية والاجتماعية للجمهور، إلى جانب اليقظة الأمنية والحوكمة المعلوماتية. تتطلب الحماية من خطره تعزيز الشفافية في تداول الأخبار، وإغلاق منافذ التلاعب بالرأي العام عبر الفكر التنويري والمواطنة المسؤولة، ذلك لأن قوة أجهزة الدولة وحدها لا تكفي ما لم تقترن بجبهة داخلية متماسكة تعي حجم التأثيرات الخارجية وتدرك أن حماية الاستقرار هي مسؤولية مشتركة تجعل من الاختراق الداخلي أمرًا مستحيلاً.