تسلط الوثائق التاريخية المحفوظة في العاصمة الهولندية أمستردام، وتحديداً ما ورد في كتاب “تاريخ مملكة الجزائر” (1725) للمؤلف “لوجيه دي تاسي”، الضوء على حقبة مفصلية كانت فيها الجزائر تمارس سيادتها الكاملة كطرف ندّي للقوى الأوروبية العظمى، حيث لم تكن هذه العلاقات مجرد اتصالات عابرة أو مجاملات إقليمية، بل اعتمدت على أطر قانونية ودبلوماسية موثقة ومعترف بها دولياً.
وتتجلى هذه الندّية في معاهدة السلام والتجارة المبرمة عام 1729 بين ملك السويد فريدريك الأول و “الجزائر”، والتي جرى التوقيع عليها مباشرة في العاصمة الجزائر بحضور الداي عبدي باشا وقيادات الدولة، مما يعكس الامتداد المؤسساتي والقانوني للسلطة الجزائرية آنذاك.
كما أن التواجد الدائم لبعثات وقناصل دوليين، كالقنصل الفرنسي دوراند دي بونيل، يبرهن على أن العالم الخارجي كان يتعامل مع كيان سياسي متمتع بالشرعية الكاملة والاستقرار الإداري.
ولم تقتصر هذه الندّية على الجانب الدبلوماسي فحسب، بل استندت إلى جغرافيا سياسية محددة المعالم تمتد حدودها بين تونس شرقاً وحوض نهر ملوية غرباً، مدعومة بأسطول بحري فرض سيادته في حوض البحر الأبيض المتوسط لقرون.
إن إعادة قراءة هذه الأرشيفات في وقتنا الراهن تفكك الروايات التي تحاول اختزال تاريخ المنطقة، وتثبت بالدليل القاطع أن المنظومة الدولية القديمة كانت تعترف بالجزائر كدولة قائمة الأركان، ذات هياكل إدارية وسيادية فرضت احترامها على أعرق الممالك الأوروبية.