ما قل ودل

مكتبة الشيخ لخضر بن يخلف…كنز ثقافي في قلب ريف معسكر

شارك المقال

بقلم محمد بن كربعة

لم نكن نعرف، ونحن نتجه نحو دوار أولاد زماني ببلدية ماوسة، ولاية معسكر، أننا سنعود من هناك ونحن نحمل في ذاكرتنا حكاية أكبر بكثير من مجرد زيارة عابرة.

كان ذلك في حدود منتصف نهار الجمعة الماضية، حين حللت ضيفًا على أخي وصديقي لخضر نور الدين، موظف بجامعة معسكر، بعد عودته من أداء مناسك العمرة، فكان لا بد أن يكون اللقاء مختلفًا، يحمل شيئًا من فرحة العودة، ودفء الأخوة، وبركة الجمعة.

أدينا معًا صلاة الجمعة بمسجد عقبة بن نافع، حيث أمّنا الإمام مزيلة، وكانت خطبته حول أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبعد الصلاة، وبكرم الحاج نور الدين، كما أصبح يحلو لنا أن نسميه بعد عودته من البقاع المقدسة، توجهنا إلى مأدبة غذاء بمنزله الكائن بالمجمع السكني بن قرودة، في الدوار نفسه.

كانت المائدة عامرة، مرتبة بعناية، وكأن صاحب البيت أراد أن يجعل من هذا اللقاء مناسبة لا تُنسى.

بعد تناول الغذاء، اقترح علينا الحاج نور الدين زيارة بيت عمه، الشيخ لخضر بن يخلف، الإمام المتقاعد.

لم نكن نعلم أننا على موعد مع اكتشاف سيمنح تلك الزيارة معنى آخر تمامًا.

دخلنا بيت الشيخ.بيت متواضع، هادئ، يشبه في بساطته صاحبه.استقبلنا الرجل بترحاب كبير، وجلسنا معه نتبادل الحديث، قبل أن تقع أعيننا على شيء لم نكن نتوقع وجوده في ذلك المكان.

في الخارج، ريف هادئ، وحياة بسيطة وإمكانات محدودة.وفي الداخل، عالم آخر
مكتبة ، تضم أكثر من 500 كتاب، إلى جانب عدد كبير من أعداد الجرائد والمجلات التي يعود بعضها إلى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.

كتب في الفقه والتفسير واللغة والسيرة والخطابة، وكتب في مجالات معرفية أخرى، إلى جانب صحف ومجلات احتفظ بها الشيخ منذ عقود.

لقد جمع آثار زمن.، نال الغبار من بعض الرفوف والكتب.لكن الغبار لم يستطع أن يخفي الحقيقة.

الحقيقة أن وراء تلك الرفوف رجلًا قضى جزءًا كبيرًا من حياته قريبًا من الكتاب والقرآن والمسجد والتعليم والإرشاد.

جلسنا مع الشيخ لخضر بن يخلف، وأخذنا نتحدث معه عن مكتبته.

عن الكتب التي جمعها.

عن الصحف التي احتفظ بها.

عن السنوات الطويلة التي أمضاها وهو يضيف إلى مكتبته شيئًا جديدًا كلما استطاع.
كان يتحدث، ونحن نصغي.

ثم ذرفت عيناه الدموع.

وردد أكثر من مرة: «هذا يوم كبير… هذا يوم كبير…»

كانت عبارة قصيرة، لكنها حملت في داخلها قصة سنوات طويلة.

فقد شعر الشيخ، ربما لأول مرة، أن ذلك العالم الذي ظل يحتفظ به في بيته بصمت، قد وجد من يراه.

لم يكن الأمر بالنسبة إليه مجرد زيارة.

كان يشعر أن شيئًا ظل يحمله وحده سنوات طويلة، بدأ يجد طريقه إلى الآخرين.
لقد جاءه ضيوف إلى البيت…

لكنهم في نظره لم يأتوا فقط لزيارة رجل متقاعد.

جاؤوا ليفتحوا نافذة على ذاكرة ظل يحتفظ بها بعيدًا عن الأضواء.

ومنذ أن غادرنا بيت الشيخ، ظل سؤال يرافقني:

ماذا لو تم الاعتناء بهذه المكتبة؟

ماذا لو جرى فهرسة محتوياتها؟

ماذا لو اكتشفنا بين رفوفها كتبًا نادرة، أو أعدادًا صحفية لم تعد متداولة، أو وثائق وصورًا تحمل معلومات عن أشخاص وأحداث من تاريخ المنطقة؟

وماذا لو كانت هناك في قرى أخرى مكتبات مشابهة، لا يعرف أحد عنها شيئًا؟

ربما لا تحتاج مكتبة الشيخ لخضر إلى مشروع ضخم.

قد تحتاج فقط إلى عين ترى قيمتها، ويد تساعد على حمايتها، ومؤسسة تؤمن بأن الذاكرة الثقافية لا تُقاس بمكان وجودها.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram