باتت الحروب الحديثة تدار في فضاءات هجينة تتجاوز المواجهات التقليدية لتستقر في عمق الفضاء السيبراني ومزارع التضليل الرقمي. وفي هذا السياق الممتد من المغرب العربي إلى عمق منطقة الساحل والبحر الأحمر، تفرض الاستباقية التكنولوجية والجاهزية السيبرانية نفسها كخط دفاع أول للذود عن السيادة الوطنية وحماية الاستقرار المؤسساتي والدفاع عن شرف الأمة، في ظل استهداف ممنهج تتداخل فيه مناورات نظام المخزن المغربي والمال السياسي الإماراتي وتقاطعهما العضوي مع الكيان الصهيوني.
اختراق الشبكات وتشويه السرديات…أبعاد التحالف المتربص
كشفت تقارير دولية متطابقة، وفي مقدمتها ما نشرته مجلة “أفريكا كونفيدونسيال” (Africa Confidential) تحت عنوان “الجزائر تغلق الباب في وجه أبوظبي – راعي المغرب يدفع الثمن” مثلما أشارت إليه وكالة الأنباء الجزائرية، عن تحول الرعاية الإماراتية للرباط عقب اتفاقات التطبيع عام 2020 إلى منصة لإذكاء التوترات الإقليمية. ويتجاوز هذا التنسيق التمويل المباشر إلى تمويل حملات هجينة وأساليب عدائية تستهدف الجوار الجزائري، محاولةً تكريس واقع الاحتلال في الصحراء الغربية والتنصل من الشرعية الدولية، بالتوازي مع التغلغل التخريبي في دول الساحل المنهكة أمنياً لتطويق النفوذ الجزائري وضرب عمقها الاستراتيجي.
المواجهة الاستراتيجية الناشئة ومخاطر الحرب السيبرانية
وفي تحليل آخر وضعه موقع “ديبيغليز” (Debuglies) بعنوان “أبوظبي والكيان الصهيوني والجزائر: المواجهة الاستراتيجية الناشئة عبر المغرب العربي والساحل والبحر الأحمر”، يتجلى التقاطع بين المحاور الثلاثة (أبوظبي، الرباط، والكيان الصهيوني) عبر توظيف تقنيات التجسس، وتصنيع الأزمات الافتراضية، وغرس الذباب الإلكتروني لتفكيك الجبهات الداخلية. وتؤكد المعطيات التحليلية أن استخدام التكنولوجيا المتقدمة وتزييف الحقائق لم يعد مجرد نشاط إعلامي عابر، بل أدوات حرب سيبرانية وهجومية قائمة بذاتها تهدف إلى خنق المواقف المبدئية للجزائر تجاه قضايا التحرر وسيادة الشعوب.
السيادة الرقمية كضرورة حتمية لحماية الدولة
إن إفشال مخططات الشبهات الإقليمية ودحر استراتيجيات التضليل يمر حتماً عبر تعزيز السيادة الرقمية الوطنية، والتحول إلى الردع السيبراني الهجومي والاستباقي. فالجزائر، بتمسكها بالقرارات السيادية وإغلاق الباب أمام التدخلات الملتوية، تخوض معركة وعي وتكنولوجيا تتطلب يقظة إعلامية وأمنية موحدة تفكك شفرات الحرب الهجينة وتصون الذاكرة والتراب الوطني من أوهام الاختراق والهيمنة.
للتذكير فقط لكل من يتربص بالجزائر فإن الأمة التي حطمت غطرسة الإمبريالية الفرنسية ودحرت خلفها حلف الشمال الأطلسي (الناتو) بثورة تحريرية مجيدة، قادرة باليقين ذاته على كسر أدوات العدوان الحديثة وتفكيك شبكاتها المتطورة. فالتاريخ الذي سجله جيش التحرير الوطني بدمائه ليس مجرد صفحات مطوية، بل هو عقيدة سيادية ومرجعية صلبة تعتمد عليها الجزائر اليوم في معركتها ضد تحالفات التضليل والحروب السيبرانية التي يقودها المثلث المشبوه بين نظام المخزن المغربي، والمال السياسي الإماراتي، والكيان الصهيوني.
حيث تطورت أدوات الصراع الإقليمي من مواجهات الواقع والميدان إلى اختراق العقول والشبكات، وتصنيع الأزمات الافتراضية، وزرع الذباب الإلكتروني بغرض ضرب الجبهة الداخلية وتشويه الموقف الجزائري الثابت. غير أن هذا التحول في التكتيكات العدائية ما انفك يصطدم بيقظة استراتيجية وبناء سيبراني متين، يستند إلى مقومات الدولة الوطنية المؤسساتية وقدراتها الاستباقية في ردع الهجمات الموجهة وحماية البنيات التحتية الحساسة.