ما قل ودل

من معارك التحرير إلى معركة العيش الكريم… دوار بن قرودة بمعسكر ينتظر مشاريع التكفل بالظل

شارك المقال

تحقيق صحفي من إعداد محمد بن كربعة

من مسلك ترابي يستعيد ذاكرة مجاهدي جيش التحرير إلى مطالب يومية تتعلق بالطريق والماء والتطهير والغاز والإنارة والاتصالات و النقل يربطهم بمدينة معسكر… يقول السكان المجمع السكني بن قرودة، ببلدية ماوسة في ولاية معسكر إنها لم تعد تحتمل الانتظار ، يرفعون انشغالاتهم ويأملون أن تجد طريقها إلى الجهات المعنية.

على بعد نحو 4 كيلومترات من بلدية ماوسة، و6 كيلومترات عن بلدية خلوية، ونحو 15 كيلومتراً عن عاصمة الولاية معسكر، يقع التجمع السكني بن قرودة، أحد التجمعات الريفية المحادية لدوار أولاد قادة بلحاج.
مكان هادئ في ظاهره، لكنه يحمل في ذاكرته صفحات من تاريخ المنطقة، ويعيش سكانه اليوم واقعاً مختلفاً عنوانه الأبرز: انتظار أبسط مقومات الحياة التي تجعل الاستقرار في الريف ممكناً وكريماً.

من ذاكرة المكان…أكثر من قرن من الاستقرار

بحسب شهادة الشيخ لخضر بن يخلف، الإمام المتقاعد وأحد أبناء المنطقة، فإن تاريخ التجمع السكني بن قرودة يعود إلى سنة 1886.
ويقول الشيخ لخضر إن عائلته، عائلة لخضر، تقيم بالدوار منذ سنة 1950، وهي عائلة ارتبط اسم عدد من أفرادها بالثورة التحريرية ومساهمة أبنائها في مقاومة الاستعمار الفرنسي.
ومن بين أفراد العائلة الذين يذكرهم الشيخ لخضر: بن يخلف، لخضر مبارك المتوفى سنة 2014، لخضر يمينة، وفاطمة قايدي، حيث كان أفراد منها ضمن المسبّلين المرتبطين بجيش التحرير الوطني خلال الثورة التحريرية.
وتمنح هذه الشهادة للمكان قيمة تتجاوز حدوده الجغرافية؛ فالمسالك التي يعبرها السكان اليوم لم تكن، بحسب رواية الشيخ لخضر، مجرد طرق ريفية عادية، بل كانت تعرفها عناصر جيش التحرير الوطني خلال الثورة التحريرية.

طريق بطول 1.5 كلم…والمسافة التي تختصر معاناة السكان

أبرز انشغالات سكان بن قرودة اليوم يتمثل في المسلك الترابي الرابط بين التجمع والطريق الوطني، والذي يبلغ طوله نحو 1.5 كيلومتر.
المسلك هو المنفذ الأساسي للسكان نحو بقية المنطقة، غير أن وضعيته تتحول، خصوصاً خلال فصل الشتاء، إلى مصدر معاناة حقيقية، بسبب صعوبة المرور والوصول إلى المنازل.
ولهذا يطالب السكان بـتعبيد الطريق وتهيئته، باعتبار ذلك ضرورة لفك العزلة وتحسين ظروف التنقل، وليس مجرد مطلب لتحسين المظهر العام للمكان.
والمفارقة اللافتة أن هذا المسلك نفسه يحمل ذاكرة تاريخية؛ إذ يؤكد الشيخ لخضر بن يخلف أنه كان مستعملاً من طرف مجاهدي جيش التحرير الوطني أثناء الثورة التحريرية، وأن كتائب ومجاهدين مروا عبره في تلك المرحلة.
مسلك كان شاهداً على حركة رجال الثورة، ولا يزال اليوم شاهداً على معاناة سكان الريف في تنقلاتهم اليومية.

النقل إلى معسكر…معاناة يومية للعمال والموظفين

ولا تنتهي معاناة التنقل بالنسبة لسكان بن قرودة عند حدود المسلك الترابي، فالوصول إلى مدينة معسكر يمثل بدوره انشغالاً يومياً، خاصة بالنسبة إلى العمال والموظفين الذين ترتبط أعمالهم ومصالحهم بعاصمة الولاية.
فالتنقل اليومي إلى معسكر يعني بالنسبة إلى عدد من السكان رحلة إضافية تتطلب توفر وسيلة نقل منتظمة ومناسبة، في وقت يطرح فيه السكان انشغالهم بشأن صعوبة النقل بين بن قرودة ومدينة معسكر.

وتزداد وطأة المشكلة بالنسبة إلى العمال والموظفين الذين يضطرون إلى التنقل بشكل يومي، إذ إن الوصول إلى مقر العمل في الوقت المحدد والعودة إلى المنزل بعد انتهاء ساعات العمل يصبحان أكثر إرهاقاً عندما تكون وسائل النقل غير كافية أو غير منتظمة.
كما أن صعوبة النقل لا تمس العامل والموظف فقط، وإنما تنعكس على مختلف الفئات التي تحتاج إلى التنقل نحو مدينة معسكر لقضاء مصالحها الإدارية والصحية والتجارية وغيرها.
ومن هنا يطالب السكان بـتحسين خدمة النقل وربط بن قرودة بمدينة معسكر بوسيلة نقل منتظمة، بما يخفف عنهم أعباء التنقل ويساهم في فك العزلة عن التجمع.

متوسطة قريبة…لتخفيف معاناة التلاميذ

ومن بين المطالب التي يطرحها السكان أيضاً إنجاز متوسطة بالمنطقة.
فأبناء سكان بن قرودة يضطرون إلى التنقل يومياً نحو بلدية ماوسة لمتابعة دراستهم في مرحلة التعليم المتوسط، وهو ما يزيد من أعباء الأسر والتلاميذ، خصوصاً في فصل الشتاء ومع صعوبة المسلك الترابي.
ولا يقتصر أثر إنجاز متوسطة في المنطقة، بحسب السكان، على أبناء بن قرودة وحدهم، وإنما تستفيد منها تجمعات ودواوير مجاورة، من بينها أولاد العوفي، أولاد زناندة، أولاد قادة بلحاج، دوار عبوية ودوار قعايدية و دوار اولاد زماني.
ومن هذا المنظور، يرى السكان أن تسجيل مشروع متوسطة بالمنطقة من شأنه أن يخفف الضغط عن المؤسسات التعليمية القائمة، ويقرب المدرسة من أبناء الريف.

صرف صحي غائب…والمطامير ما تزال حاضرة

في الوقت الذي أصبحت فيه شبكات التطهير من أساسيات البنية التحتية في التجمعات السكنية، يقول سكان بن قرودة إنهم ما يزالون يعتمدون على المطامير للتخلص من الفضلات.
ولهذا يطالبون بربط المجمع بشبكة الصرف الصحي، باعتبارها حاجة أساسية مرتبطة بالصحة والبيئة وتحسين الإطار المعيشي للسكان.
وهو مطلب يكتسب أهمية أكبر في تجمع سكني يسعى سكانه إلى الاستقرار والحفاظ على الحياة الريفية .

الغاز يمر قريباً…لكن البيوت تنتظر الربط

ومن المطالب الأخرى التي يرفعها السكان ربط مساكنهم بشبكة الغاز الطبيعي.
ويؤكد السكان أن شبكة الغاز تمر بالقرب من التجمع السكني، على مسافة تقدر بنحو 2 كيلومتر، وهو ما يجعل مطلب الربط، من وجهة نظرهم، مرتبطاً باستكمال الخدمة إلى مساكنهم والاستفادة منها.
بالنسبة للعائلات، لا يتعلق الأمر فقط بالراحة، وإنما بتخفيف أعباء التدفئة والطهي، خاصة خلال فصل الشتاء.

أعمدة الكهرباء موجودة…والإنارة لم تكتمل

ومن المفارقات التي يلفت إليها سكان المنطقة أن أعمدة الكهرباء تم وضعها بالدوار، غير أن تركيب مصابيح الإنارة بتقنية LED لا يزال يعرف تأخراً، حسب إفادتهم.
ويأمل السكان أن تستكمل العملية حتى يستفيد التجمع من الإنارة العمومية، لما لها من أهمية في تنقل السكان ليلاً وتعزيز شروط السلامة والراحة.

خارج التغطية…عندما يصبح الاتصال امتيازاً

ولا تتوقف انشغالات سكان بن قرودة عند الطرق والشبكات.
فالمنطقة، حسب السكان، تعاني أيضاً من ضعف أو غياب التغطية الهاتفية لمختلف المتعاملين، الأمر الذي يجعل الاتصال بالعائلات أو المصالح المختلفة أمراً صعباً، كما ينعكس سلباً على جودة خدمة الإنترنت.
وفي زمن أصبحت فيه الخدمات الرقمية والاتصال بالإنترنت جزءاً من الحياة اليومية، فإن ضعف الشبكة في المناطق الريفية لا يعني فقط صعوبة إجراء مكالمة هاتفية، وإنما يمكن أن يتحول إلى شكل آخر من أشكال العزلة.

مطالب بسيطة…لكنها تصنع فارقاً كبيراً

فبن قرودة ليست مجرد تجمع سكني على هامش الخريطة؛ إنها جزء من الريف المعسكري، ومن ذاكرة منطقة ساهم أبناؤها في صناعة تاريخ الوطن، ويأمل أهلها اليوم أن يكون لهم نصيب من ثمار التنمية.

رسالة سكان بن قرودة…خذوا بأيدينا

لا يطالب سكان بن قرودة، حسب ما عبروا عنه، بمعاملة استثنائية، ولا يبحثون عن امتيازات خارج ما تحتاجه المناطق الريفية.
هم يطالبون بأن تُسمع انشغالاتهم، وأن تُدرس مشاريعهم، وأن يجد الطريق الترابي طريقه إلى التهيئة والتعبيد، وأن تصل الشبكات إلى مساكنهم، وأن يجد أبناؤهم ظروفاً أفضل لمواصلة دراستهم.وأن يجد العمال والموظفون وسيلة نقل تساعدهم على الوصول إلى مدينة معسكر والعودة منها في ظروف مناسبة.
يبقى أمل السكان أن تصل أصواتهم إلى السلطات المحلية والولائية، وأن تتحول هذه المطالب من انشغالات مطروحة إلى مشاريع مبرمجة وحلول ملموسة على أرض الواقع.
وفي النهاية، تبقى التنمية الحقيقية هي التي تصل إلى أبعد نقطة في الخريطة، وتمنح سكان الريف سبباً إضافياً للتشبث بأرضهم بدل التفكير في مغادرتها.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram