ما قل ودل

الإعلام الرقمي سلاح لمناهضة اختراق الوعي…الخوارزميات الإماراتية تسوق للتطبيع من الأراضي المغربية

شارك المقال

في السنوات الأخيرة، لم يعد الصراع السياسي لدى نظام المخزن يدار فقط عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية أو البيانات الرسمية، بل انتقل بصورة متزايدة إلى الفضاء الرقمي. المنصات الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي أصبحت ساحات لإعادة صياغة الروايات السياسية، وتوجيه النقاش العام، وإعادة تقديم ملفات شديدة الحساسية، وفي مقدمتها قضية التطبيع مع إسرائيل.

وفي هذا السياق، يبرز النقاش حول طبيعة الخطاب الإعلامي المتداول في المغرب بشأن العلاقات المغربية ـ الإسرائيلية، والدور المنسوب إلى أطراف إقليمية، من بينها الإمارات، في دعم سرديات سياسية وإعلامية تجعل من التطبيع خيارًا يبدو، في خطابات النظام الإعلامي المخزني، طبيعيًا أو مفيدًا أو حتى حتميًا.

 

التطبيع من قرار دبلوماسي إلى معركة ضد الوعي 

المدافعون عن التطبيع لدى نظام المخزن يركزون عادة على المصالح الاقتصادية والأمنية والتكنولوجية والسياحية، وعلى المكاسب الدبلوماسية التي حصل عليها المغرب في سياقات مرتبطة بقضية الصحراء الغربية.

في المقابل، يجزم عموم الشعب المغربي أن العلاقات مع إسرائيل تتعارض مع الموقف التقليدي للمغرب تجاه القضية الفلسطينية، خصوصًا في ظل استمرار الحرب والإعتداء على قطاع غزة.

وهكذا تحوّل التطبيع من ملف في السياسة الخارجية إلى قضية داخلية تمس صورة الدولة وهويتها السياسية وموقفها من فلسطين.

الإمارات تسوق للتطبيع بامتياز في المغرب

منذ أن أقامت الإمارات  علاقات رسمية مع إسرائيل سنة 2020 ضمن اتفاقات أبراهام، وأصبحت منذ ذلك الوقت من أكثر الدول العربية انخراطًا في بناء علاقات اقتصادية ودبلوماسية وأمنية مع إسرائيل.

ونظرا لوجود علاقات قوية بين أبوظبي والرباط، وتشابه بعض المصالح الإقليمية، فإن الإمارات باتت تقود حملة إعلامية داخل المغرب لتسويق التطبيع.

فالإمارات كانت من أبرز الدول العربية التي دفعت باتجاه نموذج يقوم على تحويل العلاقة مع إسرائيل من ملف أمني وسياسي شديد الحساسية إلى علاقة طبيعية متعددة المستويات: استثمار، تجارة، سياحة، تكنولوجيا، دفاع، واتصالات دبلوماسية.

وبالتالي فإن نجاح هذا النموذج في دول أخرى مثل ما تقوم به الإمارات في المغرب يخلق بطبيعة الحال بيئة إقليمية يمكن أن تستفيد منها الأطراف الراغبة في تثبيت التطبيع وتوسيعه.

الحرب الرقمية وصناعة الانطباع

أحد أخطر التحولات في الإعلام السياسي المعاصر هو أن التأثير لا يحتاج بالضرورة إلى إقناع الجمهور بالكامل.

يكفي أحيانًا خلق انطباع بأن موقفًا معينًا أصبح هو الموقف السائد، وأن الاعتراض عليه يمثل أقلية معزولة.

وهنا تلعب الخوارزميات دورًا مهمًا. فالتكرار المستمر للرسالة نفسها عبر عشرات الصفحات والحسابات المخزنية الممولة إماراتيا يمنحها مظهرًا من الانتشار الطبيعي، حتى عندما يكون الجمهور الفعلي أقل بكثير من حجم الضجيج الرقمي.

ومن بين أكثر الرسائل شيوعًا في هذا النوع من الخطاب تقديم التطبيع باعتباره مشروعًا براغماتيًا، وربطه بالتنمية والاستثمار والتكنولوجيا، مع تصوير الرافضين له باعتبارهم أسرى للماضي أو غير قادرين على فهم التحولات الإقليمية.

لكن هذه المقاربة تغفل سؤالًا أساسيًا: هل المصالح الاقتصادية والدبلوماسية تكفي وحدها لإزالة البعد الأخلاقي والسياسي للقضية الفلسطينية من الوعي العام؟

 

الجزائر تقف حجر عثرة في وجه التحالف الإماراتي-الصهيو-مغربي 

لن يكتمل مخطط دعاة التطبيع في شمال إفريقيا ما دامت الجزائر تقف حجر عثرة في وجه هذا المشروع الإستيطاني, لذا فإن تطور العلاقات الإسرائيلية مع الإمارات و المغرب، وما يرتبط بها من تعاون عسكري وتكنولوجي وأمني، جعل الملف محل اهتمام كبير في الجزائر، خصوصًا بسبب موقع المغرب الجغرافي والأمني وعلاقاته المتنامية مع إسرائيل.

و هنا يطرح السؤال الأهم في عصر المنصات الرقمية:

هل تستطيع الدعاية أن تصنع قبولًا شعبيًا طويل الأمد بسياسة مثيرة للجدل؟

التجربة السياسية تشير إلى أن الإعلام قادر على التأثير في طريقة فهم الناس للأحداث، لكنه لا يستطيع بالضرورة محو المصالح والقناعات والهويات السياسية الراسخة.

وقد تنجح الحملات الدعائية في تغيير اللغة المستخدمة في النقاش العام، لكنها لا تعني بالضرورة تغيير المواقف العميقة للجمهور خصوصا ما تعلق بالقضية الفلسطينية.

الإعلام الرقمي سلاح حاد ضد التطبيع

في هذا الصراع، يصبح الإعلام الرقمي سلاحًا بالغ التأثير، و مضاد لأي مصادر للتضليل خصوصا عندما تختلط الأخبار بالاستنتاجات، والوقائع بالدعاية، والمعلومات المؤكدة بالمحتوى مجهول المصدر.

لذلك فإن مقاومة التطبيع لا تكون بالضرورة عبر خطاب دعائي مضاد، وإنما عبر التدقيق في مصادر المعلومات، ومقارنة الروايات، وفحص المصالح الفعلية للدول، والتمييز بين ما هو موثق وما هو مجرد ادعاء.

علما أن الحرب على التطبيع في المنطقة، انتقلت من الواقع الذي سيظل مرتبطًا بمواقف الحكومات، وبالتحولات الإقليمية، وبمسار القضية الفلسطينية، وبدرجة محاربة المجتمعات العربية لقبول العلاقة مع إسرائيل إلى المواقع و المنصات الإلكترونية التي بات القائمون عليها من رافضي التطبيع في حرب من الجيل الخامس مع من يقودونها ممن باعوا دينهم و ملتهم في الواقع و باتوا يعيدون البيع على المواقع.

وفي النهاية، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط على من يملك المنصة الأعلى صوتًا، بل على من يستطيع تقديم الرواية الأكثر قدرة على الصمود أمام الوقائع.

 

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram