ما قل ودل

من أنسنة الحرب إلى أخلقة القوة…نورانية الفكر الأميري في مواجهة عالمنا المضطرب

شارك المقال

لو كان الأمير عبد القادر بيننا اليوم، هو تحليلي إن شئنا القول ميتافيزيقي ترآى لي أثناء متابعتي لندوة فكرية نظمتها يوم أمس بمتحف الفنون المعاصرة أكاديمية الوهراني للدراسات العلمية و التفاعل الثقافي حول شخصية الأمير عبد القادر و التي نشطها بامتياز العلامة محمد بويجرة, أين استحضرت شخصية مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة في عالمنا الحالي الذي تتكاثر فيه الحروب وتتعاظم فيه قوة السلاح وتتراجع فيه أحيانًا قيمة الإنسان أمام المصالح والحسابات الجيوسياسية، فربما كان سيعيد طرح السؤال الذي يبدو بسيطًا في ظاهره وعميقًا في جوهره و هو ماذا يبقى للإنسان عندما تتحول القوة إلى مبرر دائم لفرض إرادة القوي على الضعيف؟

ليس المقصود هنا أن نتخيل الأمير عبد القادر رجلًا من القرن التاسع عشر يرتدي لباسه التقليدي العربي الأصيل ويجلس أمام شاشات العالم المعاصر، وإنما أن نستحضر منظومة القيم التي حكمت سلوكه، ثم نسأل كيف كان يمكن أن يتعامل بها مع أزمات عصرنا.

فالأمير لم يكن مجرد قائد عسكري واجه الاحتلال الفرنسي، ولم يكن مجرد عالم وفقيه أو رجل دولة، وإنما كان نموذجًا نادرًا لاجتماع القوة بالإنضباط الأخلاقي. ولذلك فإن الحديث عنه اليوم لا ينبغي أن يقتصر على المعارك والانتصارات والهزائم، بل ينبغي أن يمتد إلى الطريقة التي فهم بها الإنسان والحرب والخصم والقوة.

لقد كان يستطيع أن يحارب، لكنه كان يؤمن بأن الحرب لا تعني سقوط الأخلاق.

وهنا تكمن إحدى أكثر الزوايا إشراقًا في شخصية الأمير.

لو كان بيننا…لبدأ من الإنسان

في عالم اليوم، حيث أصبحت الحروب أكثر تعقيدًا، وحيث يمكن للصاروخ والطائرة المسيّرة والهجوم السيبراني والمعلومة المضللة أن تتجاوز الحدود في ثوانٍ، ربما كان الأمير سيعيد الإنسان إلى مركز المعادلة.

فالذي يقرأ سيرته يكتشف أن مفهومه للقوة لم يكن قائمًا على إطلاق اليد في الانتقام، وإنما على القدرة على التحكم في القوة نفسها.

وقد وثّقت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الأمير عبد القادر وضع قواعد لمعاملة الأسرى، وأن مرسومه رسخ مبادئ تتعلق بحماية المقاتلين الذين أصبحوا عاجزين عن القتال، وبمعاملة الأسرى معاملة إنسانية. وترى اللجنة أن هذه الممارسات تنتمي إلى التاريخ المبكر للمبادئ التي أصبحت لاحقًا جزءًا من القانون الدولي الإنساني.

وهنا يمكن تصور الأمير في عالمنا المعاصر وهو يقول للقوى المتصارعة “يمكنكم أن تختلفوا، ويمكنكم أن تدافعوا عن أوطانكم، لكن لا تجعلوا الإنسان هو ثمن الخلاف”.

كان سيعيد تعريف مفهوم القوة

لو كان الأمير عبد القادر بيننا اليوم، فمن المرجح أن مفهومه للقوة لم يكن ليختلف في جوهره عن ذلك الذي مارسه في القرن التاسع عشر.

فالقوة عنده لم تكن مجرد القدرة على إخضاع الآخر، وإنما القدرة على ضبط النفس عندما يصبح الانتقام ممكنًا.

وهذه الفكرة شديدة الأهمية في عالم أصبحت فيه التكنولوجيا تمنح الإنسان قدرة تدميرية غير مسبوقة.

فكلما ازدادت قدرة الدول والجيوش والجماعات على التدمير، ازدادت الحاجة إلى أخلاق تضبط هذه القدرة. ولذلك فإن السؤال الحقيقي في عصر السلاح المتطور ليس فقط “من يملك القوة؟” وإنما أيضًا “من يستطيع أن يمنع قوته من التحول إلى ظلم؟”.

لقد تعامل الأمير مع الأسرى باعتبارهم بشرًا قبل أن يكونوا خصومًا. وهذه ليست تفصيلًا تاريخيًا صغيرًا، بل فلسفة كاملة في التعامل مع الآخر.

واللافت أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر عادت في 2026 إلى دراسة إرث الأمير عبد القادر ضمن تاريخ الإنسانية الحديثة، مؤكدة أن مبادئ حماية الإنسان أثناء النزاعات ليست ملكًا لحضارة واحدة، وإنما نشأت عبر تقاليد وتجارب إنسانية متعددة.

في عالم الأقوياء…كان سيقف مع كرامة الضعيف

ربما كان أكثر ما يميز حضور الأمير عبد القادر في عالمنا المعاصر هو موقفه من الإنسان الذي لا يملك القوة.

فالتاريخ لا يستحضر الأمير فقط لأنه قاوم قوة استعمارية عسكرية، بل يستحضر كذلك موقفه في دمشق عندما تدخل لحماية آلاف المسيحيين الذين كانوا مهددين بالقتل، وهو موقف جعل اسمه يرتبط في الذاكرة الإنسانية بفكرة حماية الإنسان بصرف النظر عن انتمائه الديني.

وهذا الموقف مهم للغاية إذا أردنا فهم ما يمكن أن نسميه نورانية الفكر الأميري.

فالنورانية هنا ليست تعبيرًا صوفيًا مجردًا، وإنما هي قدرة الفكر على تجاوز حدود الجماعة عندما يتعلق الأمر بكرامة الإنسان.

لقد كان يستطيع أن يرى المختلف عنه باعتباره إنسانًا أولًا.

وهذه قيمة لو حضرت بقوة في عالم اليوم، لأصبح من الصعب تحويل الاختلاف الديني أو العرقي أو السياسي إلى مبرر لاستباحة الإنسان.

لو عاش عصر الإعلام الرقمي…لما ترك الحقيقة فريسة للفوضى

ولعل الأمير، بما امتلكه من وعي بالخطاب والاتصال وبناء الدولة، كان سيولي أهمية كبيرة للحرب التي لا تُرى بالعين المجردة “حرب المعلومات”.

فالحرب الحديثة لم تعد فقط دبابة في مواجهة دبابة، أو جيشًا في مواجهة جيش. أصبحت كذلك صورة، وخبرًا، وفيديو، وحسابا إلكترونيا، ومنصة، وخوارزمية، ورواية تتسلل إلى عقول ملايين البشر.

ومن هنا، يمكن تصور أن الأمير كان سيعتبر العقل البشري إحدى أهم ساحات الدفاع.

لكنه، في الوقت نفسه، ربما كان سيحذر من تحويل الإعلام إلى أداة للكراهية أو التحريض أو تجريد الخصم من إنسانيته.

فإذا كان قد وضع قواعد للحرب في القرن التاسع عشر، فمن المنطقي أن تكون القاعدة الأخلاقية نفسها حاضرة في حرب المعلومات في القرن الحادي والعشرين “لا تجعل من الحقيقة أسيرة للغضب، ولا تجعل من الإنسان هدفًا لمجرد اختلافه معك”.

ماذا كان سيفعل أمام اللاجئين والأطفال والضحايا؟

لو وضعنا الأمير أمام مشاهد النزوح الجماعي والأطفال الذين يفقدون بيوتهم وعائلاتهم بسبب الحروب، فمن الصعب تصور أن فلسفته كانت ستتعامل معهم كأرقام في نشرات الأخبار.

لقد كان اهتمامه بالأسير والمصاب والضعيف جزءًا من منظومة أخلاقية ترى أن الإنسان لا يفقد كرامته عندما يخسر المعركة.

وهذه الفكرة نفسها أصبحت اليوم من المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، الذي يحمي المدنيين والجرحى والأسرى وغيرهم من الأشخاص المتضررين من النزاعات المسلحة.

وبالتالي، فإن استحضار الأمير اليوم لا يعني تحويله إلى شخصية أسطورية تحل جميع مشكلات العالم، وإنما استحضار مبدأ واضح مفاده أن حماية الضعيف ليست تنازلا من القوي، بل اختبارا لأخلاق القوة.

كان سيحارب الكراهية قبل أن يحارب الخصم

الأمير عبد القادر لم يكن رجل حرب بالمعنى الضيق؛ كان رجل قضية, وهناك فرق كبير بين الإثنين.

رجل الحرب يبحث عن الانتصار بأي وسيلة، أما رجل القضية فيبحث عن تحقيق هدفه دون أن يفقد القيم التي أعطت لقضيته معناها.

ومن هنا، فإن نورانية الفكر الأميري ربما كانت ستظهر اليوم في رفضه تحويل الشعوب إلى أعداء دائمين، أو اختزال البشر في هوياتهم، أو اعتبار قتل المدنيين نتيجة طبيعية للصراع.

كان يمكن أن يقول للعالم بلغة عصره “إنك قد تنتصر في المعركة وتخسر الإنسان، وعندها لا يكون الانتصار كاملًا”.

لذا من خلال هذا التحليل الميتافيزيقي لشخضية الأمير و إسقاطها على عالم اليوم  ربما كان مؤسس دولتنا الحديثة لم يكن ليجلس في الصف الأول من قاعات المؤتمرات الدولية بحثًا عن التصفيق، وإنما كان سيعيد طرح الأسئلة التي تخشى السياسة الدولية أحيانًا مواجهتها: أين الإنسان؟ من يحمي الضعيف؟ من يضبط القوي؟ من يمنع التكنولوجيا من التحول إلى قوة منفلتة؟ ومن يعيد للأخلاق مكانتها عندما تصبح المصلحة هي اللغة الوحيدة؟

وربما كان سيقول للعالم إن الحضارة ليست في امتلاك أكبر جيش، ولا أكثر الأسلحة تطورًا، ولا أقوى الخوارزميات، وإنما في قدرة الإنسان على تقييد قوته بالضمير.

تلك هي القيمة التي تجعل الأمير عبد القادر حاضرًا رغم غيابه.

 

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram