تسعى قراءات ومواقف سياسية وتحليلية متزايدة إلى تسليط الضوء على معادلة جديدة تُعيد تشكيل فهم الصراع في الشرق الأوسط؛ ومفادها أن الاستقرار المستقبلي للكيان الصهيوني أصبح يعتمد شيئاً فشيئاً على استمرار وتماسك التحالفات والإطار السياسي للدول المطبعة معه. فبعد أن كان الخطاب الصهيوني القديم يروج لفكرة “التفوق العسكري والذاتي” كضامن مفرد للوجود، كشفت التحولات الميدانية والجيوسياسية المتلاحقة عن عمق احتياج الاحتلال لشبكة أمان إقليمية وسياسية تتجاوز حدود القوة العسكرية المجردة التي تحطمت فوق صخرة الصمود الإيراني.
تستند هذه الطروحات إلى أن اتفاقيات التطبيع لم تكن مجرد اختراق دبلوماسي أو منافع اقتصادية عابرة، بل كانت تشكيلاً لـ “عمق إستراتيجي بديلاً” يسعى الاحتلال من خلاله إلى فك عزلته الشديدة في المنطقة وتأمين طرق التجارة والإمداد، وصولاً إلى بناء تحالفات أمنية واستخباراتية لمواجهة محاور المقاومة. ومن هذا المنظور، فإن أي اختلال في البنية السياسية أو تغيير في التوجهات الإستراتيجية للدول المطبعة يمثل تهديداً مباشراً لشرعية النفوذ الصهيوني ومرتكزه الإقليمي.
في المقابل، يرى محللون آخرون أن هذه المعادلة تشير أيضاً إلى حالة من “الهشاشة المركبة”؛ حيث أصبحت المقاومة والوعي الشعبي العربي يمثلان ضغطاً مستمراً على هذه الاتفاقيات، خاصة في ظل انعدام أفق الحل العادل للقضية الفلسطينية واستمرار الجرائم بحق الشعب الفلسطيني. لذا فإن ربط الوجود والمصير ببقاء علاقات رسمية مع أنظمة أو بيئات إقليمية متغيرة يجعل من الإستراتيجية الصهيونية رهينةً لمُتغيرات ديموغرافية وسياسية غير مضمونة على المدى البعيد.
و تُظهر التطورات الراهنة أن محاولات القفز على الجغرافيا والحقوق التاريخية عبر مسارات التطبيع لن توفر أماناً دائماً للاحتلال؛ فالتاريخ أثبت أن العزلة الحقيقية تجد جذورها في رفض الشعوب للوجود الاستعماري، وأن التحالفات السياسية الفوقية تظل عرضة للانهيار أمام أي تحول استراتيجي أو حراك شعبي يرفض الهيمنة ويستعيد بوصلة المنطقة.