بقلم محمد بن كربعة
عندما اتصلت بأحمد بن مولاي وأخبرته أنني اخترته موضوعًا للكتابة عن الجهد الذي يقدمه لمدينته، لم يكن ردّه عاديًا؛ فقد بكى بحرقة.
كان ذلك البكاء أبلغ من كثير من الكلمات. فهو يعكس علاقة عميقة تجمع الرجل بمدينة معسكر، وبأبنائها الذين عاشوا فيها، وخدموها، وتركوا فيها آثارًا لا ينبغي أن تطويها الأيام.
أحمد بن مولاي، ابن مدينة معسكر، جعل من صفحته على مواقع التواصل الاجتماعي فضاءً لاستعادة جانب من الذاكرة المحلية. فصورة قديمة لأحد أبناء المدينة، أو حكاية قصيرة عن شخص رحل، أو نبذة عن مسجد أو حي، أو ذكرى مرتبطة بمناسبة معينة، قد تبدو للوهلة الأولى مجرد منشور بسيط.
لكنها بالنسبة إلى عائلة ما قد تكون وثيقة ثمينة، وبالنسبة إلى شاب لم يعش تلك المرحلة قد تكون نافذة يطل منها على مدينة لم يعرفها إلا في شكلها الحالي.

“ذكرى وترحم”…عنوان يتكرر
من أبرز ما يلفت في تجربة أحمد بن مولاي اهتمامه بالراحلين. فهو ينشر صور رجال ونساء من أبناء معسكر، ويذكر أسماءهم وتواريخ رحيلهم، ثم يرفقها بكلمات قليلة للترحم عليهم.
وفي بعض المنشورات تظهر مجموعة من الوجوه في صورة واحدة تحت عنوان: «ذكرى وترحم على أولاد معسكر».
قد يمر البعض على هذه المنشورات مرورًا سريعًا، غير أن الصورة، بالنسبة إلى أبناء المدينة، قد تفتح أبوابًا واسعة للذاكرة:
«هذا كان جارنا…»
«هذا درست عنده…»
«هذا كان يعمل في المكان الفلاني…»
«هذا كان معروفًا في الحي…»
وهكذا يتحول المنشور من مجرد صورة على فيسبوك إلى مساحة جماعية لاستعادة الذاكرة، وتبادل الشهادات، وربط الأجيال بعضها ببعض.

الصور القديمة…وثائق من نوع آخر
أجمل ما تقدمه صفحات الذاكرة أنها تعيد إلى الصور القديمة حياتها. فصورة بالأبيض والأسود، أو صورة عائلية عمرها عشرات السنين، أو لقطة لشارع تغيرت ملامحه، أو وجه رجل كان معروفًا في معسكر ذات يوم، كلها يمكن أن تتحول إلى مادة للتعريف والتوثيق.
الصورة هنا ليست مجرد صورة، بل وثيقة اجتماعية يمكن من خلالها قراءة تفاصيل كثيرة عن الماضي؛ كالملابس والعادات والعمران والعلاقات الاجتماعية، فضلًا عن التحولات التي عرفتها المدينة عبر الزمن.
وكلما أُرفقت الصورة بمعلومات دقيقة عن الأشخاص والمكان والمناسبة والتاريخ، ازدادت قيمتها وأصبحت جزءًا من ذاكرة جماعية قابلة للحفظ والاستفادة.

بين الترحم والتاريخ
لا تتوقف تجربة أحمد بن مولاي عند نشر صور الراحلين والترحم عليهم، بل تمتد إلى تقديم لمحات عن الشخصيات والأماكن والأحداث المرتبطة بمدينة معسكر.
وهذا الجانب مهم؛ لأن الترحم يحفظ الاسم، بينما تحفظ المعلومة القصة. فالاسم وحده قد يثير الفضول، أما القصة فتمنح الشخصية مكانتها وتوضح أثرها في محيطها.
ومن خلال هذا العمل، يعيد أحمد بن مولاي إلى الواجهة وجوهًا من ذاكرة المدينة، من بينهم بابا علي العتيق، إلى جانب أسماء أخرى ربما كان يمكن أن تغيب عن ذاكرة الأجيال، لولا الصور والشهادات والجهود الفردية التي تعيد تقديمها للناس.
من “ماذا يحدث الآن؟” إلى “ماذا حدث لنا؟”
اعتدنا أن تكون مواقع التواصل الاجتماعي منصات لمتابعة الأخبار والوقائع اليومية، والسؤال عمّا يحدث الآن. غير أن صفحات الذاكرة تطرح سؤالًا مختلفًا وأكثر عمقًا:
ماذا حدث لنا؟ ومن هم الذين كانوا هنا قبلنا؟
إنه سؤال مهم بالنسبة إلى كل مدينة تريد أن تعرف نفسها، وأن تفهم حاضرها من خلال ماضيها.
ومن هنا تصبح مهمة أمثال أحمد بن مولاي أقرب إلى جمع قطع متناثرة من ذاكرة المدينة، ووضعها أمام الناس من جديد؛ صورة هنا، واسم هناك، وحكاية في منشور، وشهادة في تعليق، لتتشكل تدريجيًا صورة أوسع عن معسكر وأبنائها.

عندما يصبح فيسبوك أرشيفًا شعبيًا
ربما لم يبدأ أحمد بن مولاي مشروعه وهو يفكر في إنشاء «أرشيف» بالمعنى المعروف، لكن تراكم الصور والأسماء والتواريخ والذكريات يصنع في النهاية شيئًا يشبه الأرشيف الشعبي الرقمي.
لقد تحولت صفحته إلى نافذة مفتوحة على معسكر، يقدم من خلالها خدمات ومعلومات لأبنائها، ويساهم في التعريف برجالاتها ونسائها وأماكنها القديمة، كما يبحث عن الصور النادرة ويوثق الحكايات والأسماء، ويعرّف بالشهداء والمجاهدين وكل من ترك أثرًا في تاريخ المدينة.
ولم تكن مسيرته المهنية بعيدة عن الشأن المحلي؛ فقد مر بمحطات مختلفة، بدأها بالعمل في قطاع الضرائب، ثم اشتغل في التجارة والحدادة، قبل أن يتولى مسؤوليات محلية بالمجلس الشعبي البلدي والملحقة الإدارية. وبعد تقاعده، وجد نفسه أكثر التصاقًا بمعسكر وذاكرتها، وأكثر استعدادًا لخدمة أبنائها بطريقته الخاصة.

ذاكرة معسكر تتجاوز حدود المدينة
لم تعد صفحة أحمد بن مولاي فضاءً محليًا محدودًا، فقد أصبحت تحظى بمتابعة أبناء معسكر ومحبيها داخل الجزائر وخارجها.
فكل صورة أو حكاية منشورة قد تعيد أحد أبناء المدينة إلى حي قديم، أو بيت عائلي، أو وجه عزيز، أو مرحلة من الحياة لا تزال حاضرة في الذاكرة رغم مرور السنوات.
وفي زمن يخشى فيه الناس من ضياع الصور والقصص وسط سيل المحتوى الرقمي، تكتسب مثل هذه الصفحات قيمة خاصة؛ لأنها لا تكتفي بنشر الماضي، بل تمنحه فرصة جديدة للحضور في حياة الأجيال الحالية.

ذاكرة معسكر تحتاج إلى الجميع
إن حفظ ذاكرة معسكر لا يمكن أن يكون مسؤولية شخص واحد أو صفحة واحدة. فالعائلات تملك الصور، وكبار السن يملكون الحكايات، والباحثون يملكون الوثائق، والصحفيون يستطيعون التحقيق والتوثيق، بينما تملك المؤسسات الثقافية جزءًا مهمًا من الأرشيف.
ولو اجتمعت هذه الجهود، لأصبح بالإمكان إنشاء ذاكرة رقمية حقيقية للمدينة، تحفظ الصورة والاسم والتاريخ، وتتيح للأجيال القادمة معرفة الأشخاص والأماكن والأحداث التي صنعت معسكر.
وتبقى تجربة أحمد بن مولاي نموذجًا لما يمكن أن يقدمه الفرد حين يحوّل اهتمامه الشخصي إلى خدمة عامة. فقد جعل من صفحته مساحة للتعريف بالمدينة، واستعادة ماضيها، وتكريم أبنائها، وربط حاضرها بماضيها.
وربما تكون أجمل وظيفة لبعض الصفحات، من وقت إلى آخر، أن تقول لنا: هؤلاء كانوا هنا… عاشوا بيننا، وخدموا مدينتهم، وتركوا أثرًا،ثم رحلوا. فلا تنسوهم.