تتجدد القناعة لدى صنّاع القرار والقوى الدولية والإقليمية بأن الجزائر تشكّل حجر الزاوية ومرجعاً استراتيجياً متفرداً في هندسة الوساطات المعقدة وتفكيك الأزمات المستعصية. هذا الدور لم يكن وليد المصادفة أو الطوارئ الجيوسياسية، بل هو نتاج طبيعي لتاريخ ناصعُ الصفحات أثبتت فيه الجزائر تمسكها المبدئي بمساندة حركات التحرر، والانحياز للقضايا العادلة، والوقوف إلى جانب الدول والشعوب في استعادة حقوقها وسيادتها، مما جعلها “زنبرك الصلح” العصي على الاستقطاب والموثوق لدى جميع الأطراف.
إن الاستقراء التاريخي للدبلوماسية الجزائرية يقدم شواهد راسخة على نجاحها في تجنيب العالم ومحيطها الإقليمي كوارث محققة؛ فلعبت الجزائر دوراً تاريخياً محفوراً في ذاكرة العلاقات الدولية عندما احتضنت ورعت اتفاق الجزائر عام 1975 لحل الخلافات الحدودية بين إيران (في عهد الشاه) والعراق. كما برزت حنكة “الدبلوماسية الهادئة” في معالجة أزمة الرهائن الأمريكيين في طهران (1979-1981)، حيث خاضت مفاوضات شاقة أفضت إلى نزع فتيل مواجهة عسكرية ساخنة كانت ستعصف بالأخضر واليابس في الشرق الأوسط، وتوجت بفك الأزمة التاريخية بمرونة ورصانة يحفظها التاريخ للدولة الجزائرية.
واليوم، وفي ظل السيولة الجيوسياسية الراهنة، تعود الجزائر لتؤكد مكانتها كمرجعية إقليمية ودولية في حماية الاستقرار. وما جاء على لسان سلطات النيجر مؤخراً من على منبر الجمعية العامة للأمر المتحدة لم يكن سوى شهادة متجددة تضع الجزائر كمضرب مثل في الحفاظ على الأمن والتوازن في منطقة الساحل الإفريقي. فقد أثبتت التجربة الميدانية نجاعة الرؤية الجزائرية القائمة على حماية حدودها واستئصال “القوى الظلامية” عبر ضربات استباقية حاسمة وحازمة، مع فتح مسارات التنمية والحلول السياسية الشاملة لحماية منطقة الساحل والشرق الأوسط من خطط التفتيت والفوضى.
وفي وقت يتصاعد فيه التوتر الدولي جراء “حرب المضائق” وتداعيات الإغلاق الملاحي بين هرمز وباب المندب، ترسل المؤشرات والرسائل المشفرة إشارات واضحة نحو حاجة واشنطن وطهران لمخرج دبلوماسي آمن ينهي حالة الاستنزاف الجيو-اقتصادي. وتتجه الأنظار مجدداً نحو الجزائر، بوصفها الممر الإستراتيجي والسبيل الوحيد للوصول إلى حلول ناجعة وعادلة تُجنب المنطقة حرباً ضروساً، وتفتح الباب أمام ترميم العلاقات وإزالة أسباب الخلاف بين إيران ودول الخليج، بعيداً عن تدخلات الأطراف المتربصة.
إن قوة النموذج الجزائري تكمن في قدرته على الجمع بين صلابة المبدأ في حماية السيادة الوطنية والمرونة الإستراتيجية في صناعة السلام، مما يجعلها دائماً الشريك الأكثر وثوقا والأقدر على تجنيب المنطقة والعالم شفا جرف الصراعات الهدامة.