ما قل ودل

رحّاب نور الدين…دليل الباحث، وأنيس القارئ، وحارس ذاكرة مدينة معسكر

شارك المقال

بقلم : محمد بن كربعة

دائمًا هناك, لا يملّ، ولا يضجر، ولا يتبرّم من طلب أحدٍ كتابًا أو وثيقة أو معلومة. كان يدرك أن الباحث لا يحتاج إلى كتاب فحسب، بل يحتاج أيضًا إلى مكان يحتضن بحثه، وشخص يفتح له الأبواب، وموظف يؤمن بأن المعرفة حق للجميع.

من العدم إلى مكتبة يقصدها الجميع

لم تكن المكتبة التي نعرفها اليوم أمرًا جاهزًا ينتظر من يديرها. فقد ساهم نور الدين رحّاب في إنشائها وتطويرها والعناية بها، وأحاطها باهتمام يصعب وصفه، حتى تحولت مع مرور السنوات إلى فضاء ثقافي حقيقي في مدينة معسكر.

ومنذ تسعينيات القرن الماضي، كانت المكتبة تستقبل المثقفين والباحثين والأساتذة وطلبة الجامعة، بل استقبلت أسماء ثقافية وفكرية وازنة تركت بصماتها في المشهد الثقافي المحلي.

وأصبحت المكتبة، مع مرور الوقت، مقصدًا للأساتذة والطلبة والباحثين. ولم تكن الزيارة إليها دائمًا من أجل استعارة كتاب؛ فكثيرون كانوا يقصدونها لأنهم يعرفون أن وراء أبوابها رجلًا يقدّر قيمة الكتاب، ويعرف كيف يساعد الباحث في الوصول إلى ما يبحث عنه.

لم تكن الظروف سهلة

لكن الصورة الأخرى التي لا يعرفها كثيرون هي صورة المكتبة نفسها: كتب قديمة، ورطوبة، وغبار، وجدران متشققة، ومطر كان يجد أحيانًا طريقه إلى الداخل.

ومع ذلك، بقي رحّاب. يحمل قِدَم الكتب، وتعب المكان، ومشكلاته، وضغوطه، وما تعرّض له من أذى وأشكال مختلفة من التضييق. لكنه لم يتخلَّ عن المكتبة، ولم يسمح لتلك الظروف أن تطفئ علاقته بالكتاب والباحثين.

حين تصبح المكتبة جزءًا من حياة صاحبها

مكتبة مصطفى ابن التهامي ؛ ليست مجرد مقرّ للعمل بالنسبة إليه، بل أصبحت جزءًا من حياته، وجزءًا من ذاكرة أجيال من الطلبة والأساتذة والمثقفين.

وأنا واحد من الذين يدينون لهذه المكتبة بالكثير. ففيها قرأت، وفيها بحثت، وفيها كتبت. وبفضل ما وفّره لي رحّاب من كتب ووثائق وجرائد، ومن مكان مناسب للبحث، استطعت أن أنجز أعمالًا وكتابات عديدة.

ولهذا، فإن شهادتي فيه ليست شهادة عابر مرّ بالمكان، بل شهادة شخص عاش المكتبة، وقرأ فيها، وكتب بين رفوفها، وعرف صاحبها عن قرب.

رجل وراء الرفوف

نور الدين رحّاب ليس من أولئك الذين يبحثون عن الأضواء، يُقاس أثره بعدد الذين ساعدوهم، وبعدد الكتب التي أوصلها إلى أصحابها، وبعدد الباحثين الذين فتح لهم أبواب المعرفة، وبعدد الصفحات التي كُتبت بفضل مكان حافظوا عليه رغم كل الصعوبات.

وهذا، في تقديري، هو نور الدين رحّاب: رجل بقي خلف رفوف المكتبة، لكنه كان في قلب الحياة الثقافية لمدينة معسكر.

ولأننا اخترنا أن نذكر رجال معسكر أحياءً قبل أن يغيبوا، فإن من حق هذا الرجل علينا أن نقول له اليوم، لا بعد فوات الأوان: شكرًا، نور الدين رحّاب.

شكرًا لأنك لم تكن حارسًا للكتب فقط، بل كنت دليلًا للباحث، وأنيسًا للقارئ، وحارسًا أمينًا لذاكرة مدينة معسكر.

وسيظل أثرك حاضرًا في كل كتاب وُجد بفضلك، وكل بحث أُنجز في رحاب مكتبتك، وكل قارئ وباحث وجد عندك كلمة ترشده، أو وثيقة تنفعه، أو بابًا مفتوحًا على المعرفة.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram