ما قل ودل

“شسع نعل كليب” تحت قبة الأمم المتحدة…عندما يستدعي اللسان العربي كبرياء التاريخ

شارك المقال

​لم تكن القاعة الرئيسية لمجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة المجتمعة هذا الأسبوع تتوقع أن تتزلزل بروتوكولاتها النمطية بكلمات قادمة من عمق الجاهلية العربية، لكن ممثل السودان الدائم الذي ثار في وجه ما تفعله دول الشر بقيادة دويلة الإمارات في بلده حيث اتخذ من منبر المنظمة الدولية منصة لاستدعاء إحدى أشرس المقاولات التراثية في تاريخ العرب، حين أطلق عبارته الشهيرة: “عليكم أن تخسؤوا وتبوؤوا بشسع نعل كليب”.

تحولت اللحظة من مجرد إلقاء بيان سياسي روتين إلى صدمة بلاغية أعادت للواجهة قوة اللفظ التراثي وقدرته على اختراق لغة الدبلوماسية المعاصرة، معلنةً عن موقف يرفض المساومة ويرى في سلوك الخصوم تجاوزاً لكل الخطوط الحمراء.

​تضرب هذه المقولة بجذورها في واحدة من أطول وأعتى الحروب الجاهلية، وهي حرب البسوس التي اشتعلت بين قبيلتي بكر وتغلب.

تبدأ القصة عندما قُتل كليب بن ربيعة التغلبي، سيد قومه ومالك السطوة، على يد جسّاس بن مّرة البكري بسبب حادثة الناقة الشهيرة.

وعلى إثر المقتل، أرسلت قبيلة بكر وفداً إلى أخي المقتول، عدي بن ربيعة المعروف بالمهلهل أو الزير سالم، يعرضون عليه الدّية وقصاص القاتل لتجنب اتساع الدماء. غير أن المهلهل ركب مركب الكبرياء والرفض، ورأى أن أي ثمن أو تسوية لن تعوض قيمة أخاه، فرد على وفد الوساطة بحسم قاطع: لو قتلتكم جميعاً لما وفيتم بشسع نعل كليب، والمقصود بالشسع هو ذلك السير الصغير الذي يربط النعل بين الأصابع. تحولت كلماته منذ ذلك اليوم إلى مثل يُضرب في احتقار الخصوم، والاستهانة بوزنهم مقارنة بجسامة الحق والمظلمة.

​تتضح الشدة البلاغية للمقولة في تكثيفها المعجمي المحكم؛ فالخسء هو الطرد والتحقير المذّل الذي يجّرد المخاطَب من وقاره تماماً، والبوء هو العودة بحمل الذنب والخزي الثقيل الذي لا فكاك منه، أما المفاضلة بشسع النعل فتعني أدبياً وسياسياً أن الخصم بكليته لا يوازي في الميزان الجزء الأكثر استهانة وحقارة من حذاء الفقيد أو القضية المُدافع عنها.

​إن لجوء الدبلوماسية السودانية إلى هذا الموروث اللغوي الحاد لم يكن مجرد صدفة لسانية أو استعراض بلاغي، بل مثل تحولاً بنيوياً في لغة الخطاب السياسي لعدة أسباب حاسمة.

فقد تعمد الممثل الدائم إسقاط المصطلحات الناعمة والعبارات المائة لصالح قاموس صارم يقطع خطوط الرجعة ويؤكد أن القضية غير قابلة للتفاوض أو المقايضة. كما أحدثت اللفظة حالة من “صدمة الخطاب” داخل القاعة المعتادة على البروتوكولات الهادئة، مما أجبر الحاضرين على إدراك حجم الغضب والرفض السوداني.

وتجسدت العبارة أيضاً كأداة للتعبير عن مظلمة وطنية يرى صاحبها أنه تعرض لغدر أو تجنٍّ جسيم لا يمكن لملطفات العبارات الدولية أن ترمم آثاره.

تظل هذه الواقعة شهادة حية على أن اللغة العربية بحمولتها التاريخية والبلاغية لا تزال قادرة على قهر نمطية المحافل الدولية. فبالرغم من تبدل الأزمان وتغير المنصات من خيام الصحراء إلى القاعات المكيفة في نيويورك، تظل الكلمة التراثية حين تُصاغ في موقعها الصحيح قادرة على إيصال الرسالة بأعلى درجات الكبرياء والوضوح.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram