تستند استراتيجية التمدد الاستعماري والصهيوني في المغرب الأقصى إلى العمل على تفكيك أواصر الهوية العربية والإسلامية من أجل ضرب ركيزة الاستقرار المجتمعي التي تعتبر حائط الصد الأول أمام مشاريع الهيمنة الصهيونية.
و تنتهج هذه السياسة في أبعادها التحليلية متوالية مركبة تسعى لتفتيت عناصر القوة الذاتية للمجتمع المغربي من الداخل عبر آليات القوة الناعمة والتغلغل الهيكلي والمؤسساتي.
فمن الناحية الثقافية واللغوية، يتم التركيز على تحييد اللغة العربية كجامع حضاري وإحلال البدائل اللغوية أو تهميشها في الفضاءات الإدارية والتعليمية لإضعاف الرابط مع العمق العربي والإسلامي، بالتوازي مع استغلال التنوع الثقافي والعرقي بين المكونين العربي والأمازيغي وتحويله إلى خطوط تماس وصراع هوياتي تُنهك التماسك الوطني والمجتمعي.
وإعلامياً وفكرياً، تُعاد صياغة الوعي الجمعي بالمغرب الأقصى من خلال فرض التطبيع الثقافي والترويج لروايات تسعى لفصل الشعب المغربي عن قضاياه المصيرية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية باعتبارها شأناً خارجياً، فضلاً عن تقويض منظومة القيم الإسلامية والتكافل الأسري واستبدالها بأنماط نفعية وفردية تضعف النسيج الاجتماعي.
أما على الصعيدين الاقتصادي والأمني، فتتجلى الخطورة في فرض نماذج من الاتكالية في القطاعات الحيوية كالزراعة والمياه والتكنولوجيا، واستغلال السياقات الإقليمية لإيجاد موطئ قدم أمني واستخباراتي دائم يُكبل القرار الوطني ويربط الأمن القومي بمسارات خارجية.
و موازاة مع كل ما يجري تتداعى في العديد من المدن المغربية تحذيرات ووقفات احتجاجية يرفع فيها المواطنون ونشطاء المجتمع المدني أصواتهم ضد ما يصفونه بالمخطط الصهيوني المتصاعد المستهدف للنسيج الاجتماعي والسيادي للمغرب الأقصى، حيث أخذ هذا النفوذ يتطور من محاولات إزالة العائلات وسلب ملكيات عقارات تاريخية في المدن العتيقة تحت غطاء استرجاع الممتلكات والوثائق التاريخية، ليترقى إلى استراتيجية تغلغل شملت كافة مناحي الحياة الاجتماعية والمؤسساتية.
إذ تتجلى أقطاب هذا الاختراق في الاستحواذ على القطاعات الاقتصادية والتكنولوجية والزراعية الحيوية لفرض الاعتمادية، إلى جانب الهندسة الثقافية والتعليمية التي تسعى لتعديل المقررات وتغيير الذاكرة الجمعية المغربية بطمس موروثها العربي والإسلامي وتشرعن التطبيع، وصولاً إلى التدخل السيادي والأمني عبر استغلال الاتفاقيات لتكثيف التواجد الاستخباراتي والعسكري، مما يجعل البلاد ساحة لخدمة أجندات إقليمية.