ما قل ودل

الشيخ عياض البوعبدلي…رحلة القاضي والصحفي والمجاهد الذي جعل من العلم جبهة مقاومة

شارك المقال

تُعدُّ شخصية الشيخ عياض البوعبدلي (1922-2021) واحدة من أكثر القامات الفكرية والنضالية تميزاً في تاريخ الجزائر المعاصر؛ إذ تمكن بعمق وعيه وشمولية رؤيته من صياغة نموذج فريد للفاعل الديني والوطني الذي لم ينكفئ على أروقة الزوايا وممتلكات النسب الروحي، بل اندمج في قلب الحركة الوطنية بأبعادها الثقافية، الإعلامية، والسياسية، والرياضية ليغدو صوتاً للمقاومة ومربياً للأجيال ومهندساً لبناء مؤسسات الدولة الفتية عقب استرجاع السيادة الوطنية.

المجاهد عياض البوعبدلي رفقة إطارات الكشافة الإسلامية

النسب العريق والتكوين العلمي الموسوعي

ينحدر الشيخ عياض البوعبدلي من سلالة علمية عريقة يمتد نسبها الشريف إلى سيدي أبي عبد الله المغوفل دفين الشلف، وهو الشقيق الأصغر للعلامة والمؤرخ الشهير مهدي البوعبدلي؛ وقد نشأ في أحضان الزاوية البوعبدلية ببطيوة بولاية وهران، حيث نهل من علوم القرآن الكريم والفقه المالكي واللغة العربية، قبل أن يوسع مداركه العلمية بين مدرسة هني بمازونة ومدرسة تلمسان والمدرسة الثعالبية بمدينة الجزائر التي تخرج منها قاضياً بدرجة امتياز، وصولاً إلى انتسابه لجامعة السوربون بباريس لتعميق دراسته في اللغات الشرقية، ما منح تكوينه بعداً موسوعياً جمع فيه بين الأصالة الشرعية والتفتح الأكاديمي الحديث.

الشيخ عياض رفقة أوائل المؤسسين لجريدة المجاهد

الإعلام والنضال الصحفي في خدمة القضية

وقد تجلت عبقرية الشيخ البوعبدلي في فهمه المبكر لأهمية الإعلام والكلمة كجبهة نضالية لا تقل خطورة عن الجبهة العسكرية؛ إذ عمل بين عامي 1947 و1949 صحفياً في القسم العربي بإذاعة الجزائر، بالتوازي مع مقالاته ونشاطه الصحفي في جريدة “الجزائر الجمهورية” (Alger Républicain)، حيث سخّر قلمه للتوعية بالحقوق الوطنية ونشر الوعي السياسي بين فئات الشعب.

العمل الثوري والتأطير السياسي “سي أحمد”

ومع اندلاع ثورة التحرير المظفرة عام 1954، تولى النضال الميداني كمسؤول سياسي لجبهة التحرير الوطني بقطاع أرزيو، متخذاً من الزاوية البوعبدلية مركزاً خلفياً لإمداد المجاهدين وتنسيق العمليات الثورية؛ ولما اكتُشف أمره سنة 1956، التحق بالقيادة بالخارج ليواصل معركته الإعلامية صحفياً في القسم العربي لجريدة “المقاومة الجزائرية” تحت قيادة المجاهد محمد بوضياف، حاملاً الاسم الثوري “سي أحمد” وصائغاً للبيانات والتقارير التي نقلت صوت الثورة إلى الرأي العام الدولي.

الرياضة كحصن للشباب و الكشافة لخدمة القضية الوطنية

ولم تنفصل الممارسة الرياضية والشبابية في فلسفة الشيخ عن الفعل المقاوم؛ فقد انخرط في الكشافة الإسلامية بتلمسان منذ عام 1940 وشارك في تنظيم أول ملتقى عربي للكشافة لتعريف الوفود العربية بالقضية الجزائرية، كما ترأس فريق أولمبي أرزيو (OMA) وقاد قرار انسحابه التاريخي من المسابقات الرياضية سنة 1956 امتثالاً لأوامر جبهة التحرير الوطني، مؤمناً بأن الرياضة حصنٌ أخلاقي ومساحة لتربية الشباب وتحصينهم.

الشيخ عياض يزاوج بين الواجب الأمني والواجب الروحي

عقب الاستقلال عام 1962، ترجم الشيخ عياض البوعبدلي مفهوم مواطنة الدولة من خلال التحاقه بجهاز الشرطة والأمن الوطني، حيث ساهم برفقة خيرة الإطارات الثورية في وضع اللبنات التنظيمية والأخلاقية للمؤسسة الأمنية الناشئة، مع استمراره في رعاية الزاوية البوعبدلية كمرجع روحي وعلمي حتى وفاته في الخامس من شهر أكتوبر 2021 عن عمر ناهز 99 سنة، تاركاً إرثاً يخلد اسم عالمٍ ومجاهدٍ جعل من العلم والإعلام والجهاد منظومة واحدة لخدمة الجزائر.

 وهران تتذكر الشيخ عياض البوعبدلي بصرح جامعي

شهدت ولاية وهران مبادرة وفاء وتكريم استثنائية تجسدت في تسمية صرح جامعي بارز باسم الشيخ الراحل عياض البوعبدلي، صانع المجد الروحي والنضالي ببطيوة والغرب الجزائري، في خطوة أكاديمية تهدف إلى تخليد ذاكرة رجل استثنائي جمع في مسيرته الحافلة بين علوم الشريعة والقضاء، والنضال الصحفي والكشفي، والعمل الثوري كمسؤول سياسي وإعلامي بإسمه الحركي “سي أحمد”، وصولاً إلى مساهمته المحورية عقب الاستقلال في وضع اللبنات التنظيمية والأخلاقية الأولى لجهاز الشرطة والأمن الوطني؛ حيث يُشكل هذا الإنجاز الرمزي ربطاً أصيلاً بين الأجيال الصاعدة وتاريخ قامة وطنية نذرت قرناً كاملاً لخدمة العلم، والوطن، وحفظ الهوية المرجعية للأمة الجزائرية.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram