شهدت منصات التواصل الاجتماعي والوسائط الرقمية مؤخراً سجالاً تاريخياً واسعاً وتفاعلات مكثفة (ترند)، وذلك عقب الطرح الذي أثاره الباحث والمرشد السياحي الوهراني إسماعيل بن يوب حول إمكانية انحراف سفن رحلة المستكشف كريستوفر كولومبوس نحو الشواطئ الوهرانية للتزود بالزاد والمؤن، بل واصطحاب أدلاء ملاحيين من أبناء المنطقة لخوض غمار الرحلة الشهيرة عام 1492م. ومع تباين الآراء والتراشق الافتراضي حول هذه الفرضية، برز تساؤل جوهري حول الغياب الأكاديمي وصمت أساتذة التاريخ والمتخصصين في العصر الوسيط بالجامعات الجزائرية عن تقديم قراءة علمية توثيقية تفصل في الشائعات وتؤّصل للمعلومة التاريخية.
وهران عبر العصور…حاضنة التاريخ وعروس المتوسط
إن العودة إلى السجل التاريخي لمدينة وهران (أو “إيفري”/”إيفران” قديماً) تؤكد أنها لم تكن يوماً مجرد هامش جغرافيا، بل كانت ملتقى جيو-استراتيجيا حيويا وميناء طبيعيا رابطا بين ضفتي الحوض الغربي للمتوسط منذ العهد النوميدي. فقد شهدت سواحلها حركات هجرة وتواصل مع شبه الجزيرة الإيبيرية، وربطتها الروايات بالتطورات البحرية لحملة القائد الكنعاني-القرطاجي حنبعل.
ولم تكن وهران بحاجة إلى زيارة كولومبوس لتكتسب قيمتها الحضارية؛ فقد استقبلت عبر تاريخها قامات علمية وفكرية تفوق المستكشف الإيطالي شأن وتأثيراً في مسار الحضارة الإنسانية. ومن أبرز هؤلاء عالم الصيدلة والنبات الشهير “ابن البيطار”، الذي حط رحاله بالمدينة عقب خروجه من الأندلس إبان حرب الاسترداد، وأسس فيها أوائل المراكز الطبية والمستشفيات في حي سيدي الهواري العتيق حاليا، مما جعل وهران قطباً علمياً وعلاجياً قائماً بذاته في ذلك العصر. نهيك عن سماء علماء و قادة و خلفاء مكشاهير مروا بالمدينة.
البعد المادي والمعنوي..العرب والأندلسيون في رحلة كولومبوس
بعيداً عن مكان انطلاق السفن، تظهر الحقائق التاريخية الموثقة أن حملة كولومبوس نفسها لم تكن لتتحقق لولا الموارد المادية والمعرفية للوجود العربي الأندلسي؛ إذ إن الملكين الكاثوليكيين (إيزابيلا وفيرديناند) اعتمدوا في تمويل المجهود البحري لكولومبوس على أموال الجباية والضرائب المباشرة التي فُرضت على العرب الأندلسيين عقب سقوط غرناطة، وذلك بعد أن رفض البلاط البرتغالي تمويل المشروع في بداية الأمر.
وعلى الصعيد المعرفي والملاحي، استند كولومبوس كلياً إلى العلوم البحرية العربية، وفي مقدمتها المخطوطات والخرائط التي صممها الملاحون العرب، وفي مقدمتهم أسد البحار أحمد بن ماجد، إلى جانب الاطلاع على المدونات السرية للرحلات البحرية الأندلسية التي سبقت كولومبوس نحو الأطلسي بقرون.كرحلة خشخاش بن سعيد بن أسود و هي رحلة بحرية تاريخية انطلقت سنة 889 ميلادياً (القرن الثالث الهجري) من مدينة ولبة (Palos de la Frontera) في جنوب غرب الأندلس عبر المحيط الأطلسي، ويرجح بعض المؤرخين والباحثين أنها وصلت إلى أراضٍ مجهولة وراء البحار قبل رحلة كولومبوس بقرون.
وتذكر عدة مصادر تاريخية أن أول من لمح يابسة القارة الجديدة من على ظهر السفينة هو البحار الموريسكي “رودريغو دي تريانا” (Rodrigo de Triana)، مما يؤكد أن البصمة العربية الأندلسية كانت حاضرة مادياً وعلمياً وبشرياً في تلك اللحظة التاريخية.
تساؤلات أكاديمية ودعوة للتأصيل العلمي
تطرح هذه القضية تساؤلاً تاريخياً عميقاً حول الظروف السياسية والدبلوماسية للدولة الزيانية في تلمسان ووهران آنذاك: لماذا لم تتلقَّ أو تتبنَّ السلطات الزيانية مثل هذه الحملات الاستكشافية إبان تسّول كولومبوس لتمويل رحلته بين بلاطات المنطقة؟ وهو ما كان سيعطي للمنطقة دوراً أسبق في اكتشاف المسارات البحرية الحديثة.
إن حسم الجدل الدائر حول انطلاق كولومبوس من سواحل وهران من عدمه يستدعي الانتقال من فضائيات “التراشق الرقمي” إلى أروقة البحث الأكاديمي الجاد. والواجب اليوم يقع على عاتق مؤرخي العصر الوسيط بالجزائر للمطالبة بالاطلاع الفاحص على كراريس رحلات كولومبوس، والمدونات البحرية، وأرشيفات الملاحة الإسبانية والزيانية، لإبراز الحقائق التاريخية الموثقة وتحديد المكانة الحقيقية للساحل الجزائري في الملاحة الدولية خلال العصر الوسيط.