ما قل ودل

ترسانة الجزائر وصقورها في ملحمة أكتوبر…الموقف التاريخي للزعيم هواري بومدين

شارك المقال

في السجل المجيد للأمة العربية، تُحفر بعض المواقف التاريخية بأحرف من نور وذهب، لتلخص معنى الأخوة والواجب القومي في أنصع صوره. ومن بين أكثر تلك المحطات إشراقاً وتأثيراً في التاريخ الحديث، يتجلى الموقف التاريخي الخالد للراحل الزعيم هواري بومدين إبان حرب أكتوبر المجيدة عام 1973؛ موقفٌ لم يقف عند حدود التضامن السياسي أو برقيات الدعم التقليدية، بل تجسد عقيدةً راسخة وميدانية آمن بها الرئيس والجزائر الشقيقة: أن معركة الكنانة هي معركة الجزائر والأمة بأسرها.

قرار تاريخي…هذه حرب الجزائر أيضاً

حين دوّى نداء الواجب وسالت دماء الأبطال على جبهات القتال في أكتوبر 1973، لم يتأخر بومدين لحظة واحدة؛ بل أصدر أمره الرئاسي والتاريخي الشهير للقيادة العسكرية الجزائرية: «افتحوا مخازن السلاح لمصر فوراً.. هذه حرب الجزائر أيضاً!».

ولم يكن القرار ينبع من حسابات سياسية ضيقة، بل من إيمان قاطع بكرامة الأمة وسيادتها؛ وحين اقترح البعض تقديم دعم إعلامي أو إمداد محدود، جاء رده الحاسم الذي خلّده التاريخ: «نحن لا نحارب من أجل مصر فقط، بل من أجل كرامة الأمة كلها!». فكان الموقف رسالة مدوية للجميع بأن ثورة المليون ونصف المليون شهيد التي دحرت الاستعمار، لن تتوانى عن تقديم كل غالي ونفيس في سبيل نصرة القضايا العربية العادلة.

جسر جوي وترسانة عسكرية على خط المواجهة

تحول هذا القرار السياسي الصارم إلى خطة استنفار شاملة ودعم عسكري ولوجستي مباشر على أرض الميدان؛ حيث سيرت الجزائر جسراً جوياً وعسكرياً بجميع المقاييس في ذلك الوقت:

  • سلاح مدرعات ومدفعية ثقيلة: أرسلت الجزائر ترسانة قتالية شملت 96 دبابة قتالية، 32 آلية مجنزرة، 12 مدفع ميدان ثقيل، و16 مدفعاً مضاداً للطيران لدعم خطوط الدفاع والهجوم.

  • صقور الجو الجزائري: سارعت القيادة الجزائرية بإرسال أكثر من 50 طائرة حربية حديثة من طرازات (ميج 21، ميج 17، وسوخوي 7)، يقودها طيارون ومقاتلون جزائريون شاركوا صقور مصر جنباً إلى جنب في سماء المعركة.

  • دعم مالي واستراتيجي: قدمت الجزائر دعماً مالياً ضخماً تمثل في 100 مليون دولار نقدًا في ذلك الوقت وهو مبلغ هائل جداً بمقاييس سبعينيات القرن الماضي كما توجه بومدين شخصياً إلى موسكو لتأمين شحنات أسلحة إضافية وسريعة لدعم الجبهتين المصرية والسورية.

الدم الممتد من أرض الجزائر إلى أرض مصر

إن ملحمة أكتوبر لم تكن مجرد نصر عسكري للجيش المصري الباسل فحسب، بل كانت تتويجاً للتلاحم العربي وشاهداً على عمق العلاقات التاريخية بين الشعبين الشقيقين في مصر والجزائر. فقد التحم الدم الجزائري بالمصري على جبهة القتال، ليرسخ قناعة بومدين الدائمة التي عبّر عنها عقب الحرب خلال زيارته للرئيس الراحل أنور السادات: «كنا معكم في الحرب…وسنبقى معكم بعدها».

يبقى هذا الموقف للزعيم الشجاع هواري بومدين وللشعب الجزائري الأبي صفحة ناصعة في ذاكرة الأمة العربية، ومثالاً يدرّس في التضامن القومي الصادق، لتبقى تحية الإجلال والوفاء خالدةً من أرض الكنانة إلى روح بومدين وشهداء وأبطال الجزائر الذين أثبتوا بالأفعال لا بالأقوال أن كرامة العرب كلٌّ لا يتجزأ.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram