في لحظة فارقة تشهد اختلالاً غير مسبوق في التوازنات الجيو-سياسية وتصاعداً لنبرة القوة على حساب القواعد الدولية، جاء إعلان لجنة نوبل النرويجية بمنح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 للقاضية والناشطة الحقوقية الجنوب أفريقية نافي بيلاي (85 عاماً)، ليشكل رسالة مدوية تؤكد أن القانون الدولي والعدالة الجنائية ليسا مجرد خيار تكميلي، بل هما الركيزة الأساسية لحفظ السلام والأمن الدوليين.
مشهد أوسلو ورسائل اللحظة الحاسمة
لم تخلُ لحظة إعلان الجائزة من المفارقات الدالة؛ إذ تلقّت القاضية بيلاي الخبر أثناء مشاركتها في مؤتمر حقوقي بقاعة محكمة نورمبرغ التاريخية بألمانيا وهي القاعة الشاهدة على محاكمة قادة النازية وتأسيس أولى قواعد العدالة الجنائية الحديثة. وفي تعليق اتسم بالدعابة الذكية وسط تصفيق الحضور، ألمحت بيلاي إلى مطالبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المسبقة بالجائزة، في إشارة إلى الصراع الفكري والتنفيذي بين منطق “السلام عبر القوة” ومنطق “السلام عبر سيادة القانون”.
ومن جانبه، شدد رئيس لجنة نوبل النرويجية، يورغن واتنه فريدنس، على أن الجائزة تُعد بالتأكيد رسالة دعم صريحة للمؤسسات القضائية والدولية والقضاة الذين يتعرضون للهجمات والعقوبات نتيجة أداء مهامهم المستقلة، مشيراً إلى أن تقويض النظام القائم على القواعد يهدد الاستقرار العالمي ويكرس هيمنة النفوذ على الحق.
بين عقوبات واشنطن واستقلالية القضاء الدولي
تأتي هذه الجائزة في أعقاب قرارات ومواقف حادة شهدها العرف الدولي؛ حيث وقعت الإدارة الأمريكية في فبراير 2025 أمراً تنفيذياً يفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية وقضاتها على خلفية الملاحقات القضائية الصادرة بحق مسؤولي الإسرائيلين المتورطين في انتهاكات حرب غزة.
وفي مقابلة هذا النهج القائم على استخدام الأدوات الاقتصادية والسياسية لردع الهياكل القضائية، أطرت لجنة نوبل تكريمها لبيلاي باعتباره إنصافاً لمسار مهني كُرّس لملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والإبادة الجماعية، وتذكيراً بأن شرعية السلام لا تتأتى من صفقات القوة المجردة، بل من إخضاع الجميع—دون استثناء—لميزان العدالة.
ملف غزة والتقرير الأممي المستقل
ويشكل ملف حرب غزة أحد أكثر الأبعاد حيوية في فهم سياق التكريم؛ فقد ترأست بيلاي المفوضة السامية الأسبق للأمم المتحدة لحقوق الإنسان—لجنة التحقيق الأممية المستقلة التي خلصت في سبتمبر 2025 إلى توثيق مؤشرات ارتكاب إبادة جماعية في القطاع.
ورغم التباين الحاد في ردود الأفعال، حيث هاجمت الخارجية الإسرائيلية القرار واعتبرته توظيفاً سياسياً، بينما رحبت به أطراف فلسطينية ورأت فيه رسالة أمل، حرصت لجنة نوبل على التمييز بين دور اللجنة الاستقصائي وبين المسار القضائي النهائي المتروك لمحكمة العدل الدولية، مؤكدة على قيمة العمل التوثيقي المستقل في حفظ الذاكرة والتمهيد للمساءلة القانونية.
من مناهضة الأبارتايد إلى أروقة لاهاي
إن اختزال مسيرة نافي بيلاي في ملف واحد يغفل إرثاً حقوقياً يمتد لعقود؛ فقد ولدت عام 1941 في دوربان لأسرة ذات أصول هندية، وتحدت نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) لتصبح عام 1967 أول امرأة تفتح مكتب محاماة للملونين في إقليم ناتال، مدافهةً عن المعتقلين السياسيين وسجناء “جزيرة روبن”.
وبعد ترؤسها للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا (1999–2003) ومشاركتها في السابقة القضائية التاريخية التي اعتبرت الاغتصاب أداة من أدوات الإبادة الجماعية في قضية “أكاييسو”، واصلت المحطة القضائية مسارها في المحكمة الجنائية الدولية بلاهاي، وصولاً إلى مهامها الحالية بالمحكمة الدولية. يُعد اختيار نافي بيلاي تتويجاً لنموذج النضال القانوني الصلب، وتأكيداً على أن سيادة القانون تتجاوز الحسابات السياسية العابرة لتشكل الحصن الأخير للإنسانية.