في ملحمة ثورة التحرير الوطني المجيدة، لم تكن المرأة الجزائرية مجرد عنصر دعم خلف الخطوط، بل كانت شريكاً أساسياً في صنع القرار، وصوتاً حراً كسر حاجز الصمت والتقاليد الثقيلة ليخترق جبال الشمال القسنطيني بالعلم، والسلاح، والرتبة العسكرية، والعمل الفدائي البطولي.
عقب إضراب الطلبة التاريخي في 19 ماي 1956، هبت ثلة من الفتيات المتعلمات للالتحاق بصفوف جيش التحرير الوطني في جبال الولاية التاريخية الثانية. توجّهن البداية نحو منطقة “دجّارة” في أعالي جبال القّل، حيث شُكّل أول فصيل نسائي مسلح ضم أسماء خالدة في الذاكرة الوطنية، أمثال: زيزة مسيكة، مريم بوعتورة، مليكة خرشي، فاطمة بن سمرة، حورية مصطفى، خضرة بلامي، عائشة قنيفي، يمينة شراد، ليلى موساوي من جيجل، وجمع من الحرائر اللواتي صنعن مجد هذه الأرض.
من المستشفيات الميدانية إلى الرتب العسكرية
بدأت هذه النخبة الثورية مهامها الإنسانية والنضالية في الهياكل الصحية السرية، كمستشفى “خنق مايو” قرب القل، والمستشفيات الميدانية في وادي الزهور وبني عافر، حيث تلقين تدريبات في التمريض والإرشاد الاجتماعي تحت إشراف الدكتور الأمين خان والممرض عبد القادر بوشريط، قبل أن تتولى العديد منهن مسؤولية تسيير هذه المستشفيات بكل كفاءة واقتدار.
ولم يتوقف النضال عند هذا الحد؛ ففي سنة 1959، اتخذ أركان حرب الولاية الثانية قراراً تاريخياً وغير مسبوق بالسماح للنساء بالحصول على رتب عسكرية. فنالت مريم بوعتورة رتبة رقيب، وحازت زيزة مسيكة رتبة عريف ثم رقيب، لتشارك البطلتان في العمليات وتُمَارسا سلطة قيادية داخل وحداتهن بكل جدارة.
طليعة الفداء والشهادة…مريم بوعتورة و مسيكة
سطرت حرائر الولاية الثانية صفحات خالدة من التضحية والفداء:
-
الشهيدة مريم بوعتورة: طلبت بنفسها الانتقال إلى العمل الفدائي العنيف داخل مدينة قسنطينة، حيث انضمت إلى مجموعة سليمان داودي (حملاوي) ونفذت عمليات نوعية ضد مراكز الشرطة والجيش الفرنسي. وفي صباح 8 جوان 1960، حوصر المنزل الذي كانت تؤويه في حي فيلي، فرفضت الاستسلام بشكل قاطع حتى فجّر العدو المبنى، لتصعد روحها الطاهرة إلى بارئها شهيدة وهي لم تتجاوز الثانية والعشرين من عمرها.
-
الشهيدة زيزة مسيكة: ارتقّت شهيدة في 29 أوت 1959 قرب منطقة القل خلال قصف جوي عنيف ضمن “مخطط شال”، وذلك أثناء أداء واجبها الإنساني والجهادي في محاولة لإنقاذ وإخراج الجرحى من ميدان المعركة.
-
الشهيدة يمونة قموح: ابنة سيدي مزغيش وسكيكدة، المعلمة والمناضلة التي وزعت المناشير وساهمت في التوعية، قبل أن تلتحق بجيش التحرير سنة 1958 وتستشهد سنة 1960 في معركة فاصلة بجبل العالية بسكيكدة.
-
المجاهدة ليلى موساوي: التي أبلت بلاءً حسناً في جبال بني عافر بجيجل، متولية تكوين الممرضات ونقل الرسائل الثورية بين السكان حتى نيل الاستقلال.
توثيق تاريخي لثورة حرائر الجزائر
لقد تجاوزت هذه الأسماء النطاق التقليدي للمشاركة لتفرض وجودها التنظيمي والميداني في بيئة كانت التقاليد فيها بالغة الصعوبة. وقد وثّقت شهادات معاصرة، نُشرت في مجلة “هيستوريا” الفرنسية (مقال سي عبد الله، الصفحات 1335-1338) إلى جانب شهادات رفيقات الدرب مثل حورية طوبال، هذا الدور الريادي غير المسبوق.
إن الولاية الثانية لم تكن فقط مسرحاً لبطولات القادة ديدوش مراد وزيغود يوسف، بل كانت الحصن الذي حطمت فيه نساء الجزائر قيود الاستعمار والصمت بالسلاح، والعلم، والرتبة، والدم الزكي.
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار.. والتحية والتقدير لكل حرائر الجزائر الصامدات.