سلّطت مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية الضوء على التحولات التي تعرفها السياسة الخارجية الجزائرية في عهد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، معتبرة أن الجزائر تسعى إلى استعادة مكانتها الإقليمية والدولية, وذلك من خلال تنويع الشراكات الدولية، وإعادة ضبط علاقاتها مع القوى الكبرى، وتعزيز دورها في القضايا الإفريقية والإقليمية.
وفي مقال نشرته المجلة يوم 15 أكتوبر 2026، بعنوان “رهان الجزائر الجديد لاستعادة النفوذ الإقليمي”، بقلم الباحثة سابينا هينبرغ، جرى التركيز على التحول الذي تشهده الدبلوماسية الجزائرية، في ظل توجه رسمي يرمي إلى استعادة المبادرة وتأكيد استقلالية القرار الوطني في محيط إقليمي ودولي شديد التعقيد.
دبلوماسية أكثر حضوراً في محيط مضطرب
ترى المجلة أن القيادة الجزائرية الحالية تتجه نحو سياسة خارجية أكثر نشاطاً، تقوم على توسيع شبكة الشراكات الدولية، وتعزيز الحضور في إفريقيا، وإعادة تقييم العلاقات مع الولايات المتحدة وروسيا، إلى جانب اتخاذ مواقف حازمة في الملفات التي تعتبرها الجزائر مرتبطة بأمنها القومي واستقرار المنطقة.
وتوقفت المجلة عند التوتر في العلاقات الجزائرية الإماراتية، الذي بلغ مرحلة القطيعة الدبلوماسية في سبتمبر الماضي، معتبرة أن هذا التطور يعكس اختلافاً في الرؤى والمقاربات بشأن عدد من الملفات الإقليمية. وفي المقابل، تطرح هذه الأزمة أسئلة أوسع حول طبيعة التنافس على النفوذ في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، وانعكاساته على استقرار الدول ومؤسساتها.
كما أشارت القراءة الأمريكية إلى أن الجزائر تحاول استعادة دورها التقليدي في الوساطة وتسوية النزاعات، مستحضرة مساهمتها في اتفاق السلم والمصالحة في مالي سنة 2015، فضلاً عن مساعيها إلى تعزيز حضورها داخل المؤسسات الإفريقية والدولية. وكانت الجزائر قد شغلت عضوية مجلس الأمن الدولي خلال سنتي 2024 و2025، كما نالت عضوية مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي لولاية من ثلاث سنوات.
وتكشف هذه المؤشرات، وفق قراءة المجلة، عن رغبة الجزائر في الانتقال من مجرد متابعة التحولات الإقليمية إلى الإسهام بصورة أكثر فاعلية في صياغة مواقف وتسويات بشأنها، خصوصاً في منطقة الساحل التي تتداخل فيها التحديات الأمنية مع المصالح الاقتصادية والتنافس الدولي.
بين تنويع الشراكات والحفاظ على استقلالية القرار
اقتصادياً، ربط المقال بين التحرك الدبلوماسي الجزائري ومساعي تنويع الاقتصاد وتقليص الاعتماد على المحروقات والواردات. وتطرّق إلى تشجيع الاستثمار الأجنبي، وتوطين بعض الصناعات، ولا سيما صناعة الأدوية، التي أصبحت الجزائر تنتج قسماً كبيراً من احتياجاتها منها، مع توجه نحو التصدير إلى أسواق إفريقية.
كما تناول فرص التعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة، خصوصاً في قطاعات الطاقة والزراعة، في سياق سعي الجزائر إلى استقطاب استثمارات وتوسيع علاقاتها التجارية دون التخلي عن علاقاتها التقليدية مع موسكو. ويعكس هذا التوجه محاولة للاستفادة من تعدد الشركاء الدوليين، بدلاً من الارتهان لمحور واحد، في عالم تتزايد فيه حدة الاستقطاب والصراعات الجيوسياسية.
الصحراء الغربية والعلاقات مع واشنطن والرباط
خصص المقال حيزاً مهماً للعلاقات الجزائرية الأمريكية، معتبراً أن التقارب الاقتصادي والأمني بين البلدين لا يعني بالضرورة توافقاً كاملاً في الملفات السياسية. فالجزائر، بحسب القراءة ذاتها، تتمسك بموقفها الداعم لحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.
ويبرز هذا الملف أحد أبرز الاختبارات التي تواجه الدبلوماسية الجزائرية، إذ تسعى الجزائر إلى تطوير علاقاتها مع الولايات المتحدة من دون التراجع عن مواقفها المعلنة بشأن القضايا التي تعتبرها مبدئية، وفي مقدمتها حق الشعوب في تقرير مصيرها.
ما الذي تكشفه القراءة الأمريكية عن عهد عبد المجيد تبون؟
بعيداً عن التوصيفات التي قدمتها المجلة، فإن أهمية المقال تكمن في أنه يضع السياسة الخارجية الجزائرية تحت مجهر التحليل الدولي، ويرصد محاولة الجزائر تعزيز حضورها في محيط تتنافس فيه قوى إقليمية ودولية على النفوذ والموارد وممرات الطاقة.
لكن استعادة النفوذ لا تُقاس فقط بعدد الشراكات أو الحضور في المؤسسات الدولية، بل أيضاً بمدى قدرة هذه التحركات على تحقيق نتائج ملموسة في ملفات الأمن والتنمية والاستثمار، وبناء علاقات متوازنة مع دول الجوار، وتخفيف التوترات التي تستنزف إمكانات المنطقة.
كما أن الرهان الاقتصادي يبقى أساسياً في هذا المسار؛ فتنويع مصادر الدخل، وتطوير الإنتاج المحلي، وتحسين مناخ الاستثمار، وخلق فرص العمل، كلها عوامل تعزز قدرة الجزائر على التحرك دولياً انطلاقاً من قاعدة اقتصادية أكثر متانة.
وفي المحصلة، تقدم «فورين بوليسي» قراءة ترى أن عهد الرئيس عبد المجيد تبون يشهد سعياً إلى إعادة تموضع الجزائر على الساحة الدولية، من خلال دبلوماسية أكثر نشاطاً وشراكات أكثر تنوعاً.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام الجزائر هو تحويل هذا الحضور الدبلوماسي إلى مكاسب مستدامة، مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني، والدفاع عن المصالح الاستراتيجية، وتعزيز الاستقرار والتنمية في الداخل ومحيطها الإقليمي.