ما قل ودل

“الشعب يريد إسقاط الغلاء”…القارة العجوز تعيش “ربيعاً أوروبياً”

شارك المقال

بينما أطلقت وسائل الإعلام الغربية مصطلح “الربيع العربي” على التحركات الشعبيّة التي شهدتها المنطقة العربية في مطلع الألفية، مشيدة بتطلع الشعوب للحرية والعدالة الاجتماعية، تشتعل اليوم ميادين وشوارع كبرى العواصم الأوروبية تحت وطأة أزمة مالية ومعيشية غير مسبوقة. أزمة دفعت بالملايين للنزول إلى الشارع احتجاجاً على التضخم، وارتفاع أسعار الطاقة، وتهاوي القدرة الشرائية, مما جعل القارة العجوز تعيش هي الأخرى الربيع الأوروربي.

إذا كان الهتاف الأبرز في الميادين العربية هو “الشعب يريد إسقاط النظام”، فإن الشارع الأوروبي المنهك اقتصادياً غرد اليوم بصيغ سخط مماثلة، يختصرها شعار: “الشعب يريد إسقاط الغلاء…وإسقاط النخب الفاسدة”.

من الرفاه الاجتماعي إلى الشارع

لم تكن الموجة الحالية من الاحتجاجات في أوروبا وليدة أزمة عابرة، بل نتاج تراكمات اقتصادية وسياسية عميقة؛ فقد أدى الارتفاع الحاد في أسعار الغذاء والكهرباء، إلى جانب فرض سياسات التقشف المالي وتقليص ميزانيات الدعم الاجتماعي، إلى ضرب “نموذج الرفاه الأوروبي” في مقتله.

تسببت هذه الضغوط في اتساع الفجوة الطبقية وفقدان الطبقات الوسطى والهشة لأمانها الاقتصادي، مما أخرج الفئات العمالية والنقابية والشبابية إلى الشوارع في حراك شعبي عارم يتجاوز الأحزاب التقليدية، معبرين عن رفضهم لتحميل المواطن البسيط فاتورة الأزمات الجيوسياسية والتضخم.

“الحديد والنار” في فرنسا…القمع وسقوط القناع الديمقراطي

أظهرت المظاهرات التي شهدتها فرنسا على وجه الخصوص التناقض الصارخ بين خطاب الحكام الأوروبيين الداعي للحريات والتظاهر السلمي في العالم الثالث، وبين تعاطيهم الميداني مع شعوبهم:

  • العنف المفرط: قوبلت المظاهرات السلمية في باريس والمدن الفرنسية الكبرى باستخدام مكثف لقوات الشغب، والقنابل المسيلة للدموع، ووسائل القمع الحاد لردع المحتجين.

  • السياسات الدراكونية: عوض فتح باب الحوار الاجتماعي الجاد والاستجابة لمطالب الشارع، هددت إدارة الرئيس إيمانويل ماكرون بتطبيق إجراءات أمنية وقانونية مشددة وقوانين استثنائية لفرض النظام بالقوة.

  • تقييد الحريات: وُجهت انتقادات حادة للسلطات الفرنسية من قبل منظمات حقوقية بسبب الاعتقالات العشوائية وتقييد حق التظاهر والتضييق على التغطيات الإعلامية.

ازدواجية المعايير…الديمقراطية كأداة للتدخل الخارجي

يكشف التعاطي الأوروبي مع الاحتجاجات الحالية عن “سقوط القناع” وازدواجية صريحة في المعايير؛ ففي الوقت الذي كانت فيه باريس وبروكسل تسارعان لإدانة أي تدخل أمني في الدول العربية وتصفه بـ”القمع والديكتاتورية” وتطالب بالحوار وتغيير الأنظمة، تُبرر السلطات ذاتها استخدام العنف في شوارعها تحت ذريعة “حفظ النظام العام وحماية مؤسسات الدولة”.

تؤكد هذه المشاهد أن الشعارات الديمقراطية التي طالما تبناها الغرب و روج لها كنموذج إنساني، غالباً ما تُستخدم كأداة ضغط جيوسياسية في الخارج، بينما تتم إزاحتها جانباً داخل الحدود بمجرد أن يمس الغضب الشعبي مصالح النخب الحاكمة أو يهدد استقرارها السياسي.

 بين انسداد الأفق والانفجار الاجتماعي

تقف الحكومات الأوروبية اليوم أمام أزمة شرعية حقيقية؛ فالقمع الأمني وقوانين الردع المشددة لن تنجح في إنهاء التضخم أو توفير القمح والطاقة. وإن استمرار تجاهل الصوت الشعبي والاعتماد على الحلول الأمنية سيقود القارة إلى مزيد من الاستقطاب السياسي، وصعود التيارات الراديكالية، مما يضع استقرار النخب الحاكمة في أوروبا على المحك في ظل أفق اقتصادي واجتماعي مسدود.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram