يبدو أن فرنسا، التي طالما تعامل بعض سياسييها مع تاريخ الجزائر باستعلاء، اكتشفت فجأة أن الجغرافيا لا تُمحى بالتصريحات، وأن الطاقة لا تُستخرج بالخطب، وأن البلد الذي حاولت تقديمه باعتباره مجرد صفحة في تاريخها الاستعماري، أصبح شريكاً لا يمكن تجاهله عندما تضيق الخيارات وتشتد الأزمات.
فبحسب ما أوردته منصة «الطاقة» المتخصصة يوم 19 أكتوبر 2026، نقلاً عن مصادر مطلعة، طلبت باريس من الجزائر بحث إمكانية زيادة شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال في أقرب وقت، في ظل الضغوط التي تشهدها أسواق الطاقة.
ولم يُعلن رسمياً، حتى الآن، عن حجم الكميات المطلوبة أو عن قرار جزائري نهائي بشأنها. وتبقى زيادة النفط مختلفة عن الغاز المسال، الذي تحكمه التزامات تعاقدية سابقة لدى سوناطراك.
يا للمفارقة! بالأمس كان بعض الخطاب الفرنسي يتعامل مع الجزائر وكأنها مدينة مطالبة بتقديم التنازلات السياسية حتى تنال شهادة حسن السلوك من باريس، واليوم تعود لغة المصالح لتفرض نفسها: هل يمكن الحصول على مزيد من النفط؟ وهل توجد كميات إضافية من الغاز؟ وهل تستطيع الجزائر تلبية الطلب في الوقت المناسب؟
إنها الدبلوماسية عندما تخلع ثوب الوعظ وترتدي بدلة المشتري المستعجل! فحين تكون القضية تصريحات عن التاريخ والسيادة، ترتفع الأصوات من وراء المكاتب، أما حين يتعلق الأمر بالطاقة، فإن الهاتف يصبح أكثر أهمية من المنصة، وتتحول المسافات السياسية الطويلة إلى أرقام في جداول الإمدادات والعقود.
فاتورة القمح التي لم يغلقها الزمن
ولكي نفهم سر هذه المفارقة، علينا أن نعود إلى واحدة من أكثر المحطات إثارة في تاريخ العلاقات الجزائرية الفرنسية: قضية الديون المرتبطة بتزويد فرنسا بالقمح في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر.
فخلال عهد نابليون بونابرت، جرى ترتيب عمليات تموين بالقمح لفرنسا عبر تاجرين هما بكري وبوشناق، وكان داي الجزائر قد موّل جزءاً من العملية على أساس أن تُسوّى المستحقات لاحقاً. لكن الخلافات بشأن الدفع استمرت، وتحولت القضية إلى نزاع مالي وسياسي معقد. وتذكر دراسات تاريخية أن جزءاً من المستحقات ظل محل خلاف، وأن مسألة الديون كانت من خلفيات الأزمة التي سبقت الغزو الفرنسي للجزائر سنة 1830.
من إنكار التاريخ إلى استجداء العطف
تزداد المفارقة حدة حين نستحضر التصريحات الفرنسية التي أثارت جدلاً بشأن تاريخ الجزائر ووجودها قبل الاستعمار. فالتاريخ لا يبدأ يوم وصول الجيش الفرنسي إلى سيدي فرج، ولا تصبح الجزائر بلا ماضٍ لأن مسؤولاً فرنسياً اختار قراءة انتقائية للتاريخ.
لقد عرفت الجزائر قبل الاحتلال الفرنسي كيانات سياسية ومؤسسات ومجتمعاً واقتصاداً وعلاقات دبلوماسية، وكانت الجزائر طرفاً في علاقات المتوسط، لها مصالحها ومراسلاتها واتفاقاتها وصراعاتها. ويمكن الاختلاف في توصيف أنظمتها السياسية أو مراحل تطورها، لكن لا يمكن محو وجودها التاريخي بخطاب سياسي عابر.
أما اليوم، فإن التعامل مع الجزائر في ملف الطاقة يكشف حقيقة لا تحتاج إلى كثير من البلاغة: المصالح لا تعترف بالأوهام، والسوق لا تُدار بالشعارات، والدول التي تمتلك موارد استراتيجية وقدرة على التفاوض لا يمكن التعامل معها باعتبارها هامشاً في تاريخ الآخرين.
والأجدر بباريس، إذا كانت تريد فتح صفحة جديدة مع الجزائر، أن تدرك أن التقارب لا يتحقق بطلب الإمدادات وحده، ولا بتبديل نبرة الخطاب عندما تشتد الحاجة، بل يتطلب احترام السيادة، والوضوح في المواقف، والتعامل مع الذاكرة الاستعمارية باعتبارها ملفاً تاريخياً وإنسانياً لا دعاية ظرفية.
الجزائر تقلب الصفحة لكن لن تقّطعها
في هذه المسرحية التاريخية، تبدو فرنسا كمن أغلق دفتر الحسابات عندما كان الدائن يطالب بحقه، ثم عاد يفتش عنه عندما احتاج إلى ما في مستودعه. والفرق أن القمح الذي كان موضوع نزاع في زمن نابليون صار اليوم نفطاً وغازاً، وأن الجزائر التي كانت تواجه الاحتلال أصبحت دولة مستقلة تفاوض من موقع السيادة، وتملك حق قبول الطلبات أو رفضها وفق مصالحها الوطنية.
وإذا كان من حق فرنسا أن تبحث عن إمدادات إضافية لتأمين حاجاتها، فمن حق الجزائر أيضاً أن تسأل عن طبيعة العلاقة التي تريدها باريس: أهي شراكة متكافئة تحترم التاريخ والسيادة، أم علاقة موسمية لا تتذكر فيها فرنسا الجزائر إلا عندما تحتاج إلى الطاقة؟
أما فاتورة القمح القديمة، فقد لا تكون اليوم ديناً تجارياً قابلاً للتحصيل بالطريقة نفسها، ولا يجوز تقديمها كأنها فاتورة نفط حديثة غير مسددة؛ لكنها تظل جزءاً من ذاكرة تاريخية تستحق البحث والتوثيق، وتذكيراً بأن العلاقات بين الدول لا تُبنى على القوة وحدها، بل على احترام الالتزامات والحقوق والكرامة.