في خطوة سيادية بالغة الأهمية تعكس نضج المقاربة الاستراتيجية للجزائر في عمقها الإفريقي، أعلن رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الوطني، السيد عبد المجيد تبون، اليوم الإثنين 26 أكتوبر 2026، عن قرار إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى النيجر. ويأتي هذا القرار الحاسم لضمان حماية المصالح الطاقوية والاقتصادية المشتركة بين البلدين، متوجاً مساراً دستورياً ومؤسساتياً غير مسبوق.
سند دستوري صلب وتوافق مؤسساتي وطني
لم يكن هذا القرار الاستراتيجي وليد الظرف العابر، بل استند إلى شرعية دستورية ومؤسساتية راسخة؛ فقد استند السيد رئيس الجمهورية إلى أحكام الدستور، سيما المادتين 30 و91 (الفقرات 1 و2 و7)، تلبيةً لطلب صريح من السلطات النيجرية الشقيقة. وقد توج هذا المسار بمصادقة تاريخية بالإجماع من طرف غرفتي البرلمان (مجلس الأمة والمجلس الشعبي الوطني) في جلستيهما المغلقتين المنعقدتين يوم 25 أكتوبر 2026. هذا الإجماع البرلماني والسياسي يرسخ جبهة داخلية صلبة وموحدة خلف قرارات الدولة العليا، مؤكداً أن أمن الجزائر الاقتصادي والمحاور الاستراتيجية لحدودها الجنوبية خط أحمر لا تقبل التهاون.
الاقتصاد في صلب العقيدة الأمنية…حماية شرايين الطاقة
يبرز البعد الجديد في هذا القرار من خلال ربط الأمن العسكري بالأمن الاقتصادي والطاقوي بشكل مباشر. فالنيجر تحتضن مشاريع ومصالح طاقوية واقتصادية مشتركة وحيوية تربط البلدين (على غرار مشاريع أنبوب الغاز العابر للصحراء وشبكات التبادل الاستراتيجي). إن إرسال وحدات الجيش الوطني الشعبي ليس تدخلاً عسكرياً تقليدياً، بل هو درع حماية ميداني لتأمين هذه الشرايين الحيوية ضد أي تهديدات محتملة قد تستهدف استقرار الإمدادات أو تعرقل مسار التنمية المشتركة. إنها ترجمة عملية لمبدأ “حماية المصالح الحيوية في مهدها”، بعيداً عن سياسة الانتظار وردود الفعل المتأخرة.
الدبلوماسية البرغماتية…عندما تلبي الدولة نداء الجوار
يؤكد هذا التطور الميداني نجاعة السياسة الخارجية الجزائرية القائمة على التعاون المبني على الاحترام المتبادل والاستجابة المسؤولة لنداء الأشقاء. فعندما تطلب السلطات النيجرية الدعم لحماية الاستثمارات والمصالح المشتركة، تجد الجزائر –كقوة إقليمية مسؤولة– في طليعة المستجيبين، متسلحة بالاحترافية العالية للجيش الوطني الشعبي وخبرته المشهود لها في حفظ الاستقرار الإقليمي.
ويؤكد قرار رئيس الجمهورية اليوم أن الجزائر تدخل مرحلة جديدة من الحزم السيادي والدبلوماسي، حيث تتكامل القوة العسكرية مع المصالح الاقتصادية لتثبيت ركائز الاستقرار في منطقة الساحل. إنه إعلان صريح بأن حماية مكتسبات الجزائر الطاقوية والاقتصادية في الخارج تصان بالقرار السياسي الشجاع والجاهزية الميدانية المطلقة، لتظل الجزائر دائماً صمام الأمان الإقليمي والشريك الموثوق في السراء والضراء.