ما قل ودل

من حراسة الحدود إلى الردع الاستباقي…الجزائر تعيد رسم قواعد اللعبة في الساحل الإفريقي

شارك المقال

في تطور استراتيجي فارق يعيد رسم الخريطة الأمنية في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل الإفريقي، دخلت الجزائر مرحلة جديدة وحاسمة من تاريخها الدبلوماسي والعسكري. فبينما كانت الأنظار تتوجس من تداعيات الأزمات المتراكمة على حدودها الجنوبية، جاء قرار مؤسسات الدولة ليعلن نهاية مرحلة الحذر والانكفاء، والانتقال بقوة إلى فرض الاستقرار وحماية المصالح الاستراتيجية للبلاد.

تحول عقائدي وتفويض تاريخي

لم يكن التصويت الأخير لمجلس الأمة  و النواب مجرد إجراء مؤسساتي عابر، بل مثّل منعطفاً تاريخياً وعقائديْاً يكرس تغييراً جذرياً في العقيدة الأمنية للجزائر. فعلى مدار عقود، التزمت الدبلوماسية الجزائرية بسياسة النأي بالنفس وحراسة الحدود، غير أن تعاظم المخاطر الإقليمية وتمدد الجماعات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة فرض واقعاً جديداً تقتضي الضرورة فيه مواجهة التهديدات في مهبطها قبل أن تبلغ العمق الوطني.

هذا التفويض السياسي الراسخ يمنح الجيش الوطني الشعبي –سليل جيش التحرير الوطني– الغطاء الكامل للتحرك الميداني، مؤكداً أن حماية الأمن القومي تبدأ حيث تتشكل بؤر التهديد، وأن الجزائر ماضية في أداء دورها كقوة إقليمية وازنة تتحمل مسؤوليتها التاريخية تجاه جوارها الإفريقي.

الجيش الوطني الشعبي…جاهزية عالية وخبرة ميدانية فريدة

تستند هذه الخطوة الجيوسياسية إلى قاعدة صلبة قوامها القدرات العالية للجيش الوطني الشعبي، الذي يتربع على عرش أقوى الجيوش في القارة الإفريقية. فبترسانته العسكرية المتقدمة، وقواته الخاصة المدربة على أصعب مسارح العمليات الصحراوية، وخبرته الاستثنائية التي راكمها طيلة عقود في محاربة الإرهاب بمفرده، يمتلك الجيش الجزائري العدة والعدد ليكون صمام الأمان الإقليمي.

إن تحرك القوات المسلحة نحو العمق النيجري لا يعكس نزعة هيمنة، بل يعبر عن مقاربة أمنية براغماتية تهدف إلى:

  • تأمين الحدود الجنوبية وجعلها منيعة ضد الاختراقات.

  • تجفيف منابع تمويل الإرهاب وشبكات تهريب السلاح والبشر.

  • إرساء شراكة أمنية وتدريبية مع الجانب النيجري للرفع من كفاءة قواته المحلية وفق معايير الاحترافية.

نهاية الوصاية وهندسة “السلم الجزائري”

تأتي هذه التحولات لتوجيه رسالة واضحة لا تقبل التأويل إلى القوى الأجنبية التي اتخذت من الساحل الإفريقي لسنوات طويلة مسرحاً لتصفية الحسابات أو تحقيق مصالح ضيقة على حساب أمن واستقرار شعوب المنطقة.

إن إعلان الجزائر عزمها تأمين مجالها الحيوي يضع حداً لمبدأ الوصاية الخارجية، ويكرس مبدأ “الحلول الإفريقية للمشاكل الإفريقية” تحت قيادة إقليمية قوية ونزيهة.

إن مصادقة الغرفتين ستعزز هذا الزخم السياسي، لتتوج الجزائر كلاعب أساسي ومحوري لا يمكن تجاوز رأسه في أي معادلة إقليمية مستقبلية.

ومع هذا التحول المفصلي، تؤكد الجزائر مجدداً أنها رقم صعب في معادلة الأمن الإقليمي. فمن خلال دمج الرؤية الاستراتيجية بالقوة الميدانية، ترسخ الجزائر مبدأ جديداً في الساحل الإفريقي: الأمن لا ينتظر، والسيادة تصان بالرجال والعتاد، والسلام يصنعه الأقوياء القادرون على فرضه.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram