أثار قرار مصادقة البرلمان الجزائري بغرفتيه يوم أمس، بنشر وحدات عسكرية من الجيش الوطني الشعبي داخل أراضي جمهورية النيجر و الذي جاء بطلب من سلطات النيجر اهتماماً واسعاً في عناوين الصحافة العالمية, التي قرأت التحول الجديد من عدة زوايا استراتيجية وأمنية واقتصادية.
تحول استراتيجي في العقيدة العسكرية الجزائرية
أفردت الصحف الدولية ومقالات الرأي في وكالات الأنباء العالمية (مثل وكالة الأناضول، ، وTRT Afrika) مساحة واسعة لتحليل التعديل الدستوري لسنة 2020، الذي سمح للجيش الجزائري بالانتشار خارج الحدود في مهمات محددة بموافقة البرلمان.
ويرى المحللون الغربيون أن الجزائر -التي طالما تمسكت بمبدأ “عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول”- انتقلت اليوم إلى مرحلة “الردع الاستباقي وتأمين المحيط الحيوي”؛ حيث فرضت الهزة الأمنية التي شهدتها منطقة الساحل الإفريقي واقعاً جديداً يتطلب تواجداً ميدانياً لحماية الحدود الوطنية العريضة التي تمتد لمئات الكيلومترات مع النيجر.
حماية المصالح الاقتصادية والاستثمارات النفطية
أبرزت وسائل الإعلام العالمية (مثل AllAfrica) أن المهمة العسكرية الجزائرية تحمل طابعاً محدد الهدف، يركز بشكل أساسي على تأمين المنشآت الاقتصادية ومشاريع الطاقة المشتركة.
وتركز التحليلات على استثمارات مجمع “سوناطراك” في حقل “كفرا” النفطي شمالي النيجر، إضافة إلى مشروع خط أنبوب الغاز العابر للصحراء (NIGAL). حيث اعتبرت التقارير الإعلامية الدولية أن تأمين القوات الجزائرية لهذه المنشآت -بطلب رسمي من سلطات نيامي- يعكس رغبة الجزائر في عدم ترك فراغ أمني قد تستغله الجماعات المسلحة أو المنظمات الإجرامية العابرة للحدود لتخريب البنية التحتية للحيوية للاقتصاد الإفريقي.
البحث عن حلول أمنية “إفريقية-إفريقية”
تناولت العديد من القراءات الصحفية الدولية الانكفاء التدريجي للقوات الغربية (خاصة القوات الفرنسية) من منطقة الساحل الإفريقي. وأشارت الصحافة الدولية إلى أن الجزائر تبرز اليوم كـ “ضامن إقليمي للأمن والاستقرار” مستندة إلى ثقلها العسكري وشبكة علاقاتها التاريخية في المنطقة.
ويرى خبراء الشؤون الأفريقية في الصحافة الدولية أن الاتفاقيات الأمنية الأخيرة والتنسيق العسكري المباشر بين الجزائر ونيامي يعكسان تحولاً في المعادلة: البحث عن حلول أمنية “إفريقية-إفريقية” تعتمد على دول الجوار المباشر بعيداً عن التدخلات العسكرية الأجنبية التي أثبتت عدم فعاليتها على مدى العقود الماضية.
رسائل ردع ومكافحة الإرهاب والتمدد العابر للحدود
سلطت صحف ودوريات التحليل السياسي الضوء على التحديات الأمنية المتزايدة في منطقة الساحل، بما في ذلك نشاط شبكات تهريب السلاح والمخدرات والهجرة غير الشرعية وتنظيمات العنف المسلح.
وقد قرأت الصحافة العالمية في قرار الانتشار الجزائري رسالة ردع قوية وصريحة موجهة للأطراف التي تحاول إرباك الاستقرار على حدودها الجنوبية. فالانتشار الميداني المشترك لا يؤّمن الداخل الجزائري فحسب، بل يمنح الاستقرار للداخل النيجري، مما يمنع نهائياً تفاقم الأزمات الأمنية على الشريط الحدودي الممتد.
محطة فارقة في السياسة الخارجية والأمنية الجزائرية
تتفق الرؤية الصحفية العالمية على أن قرار الجزائر بإرسال وحدات عسكرية إلى النيجر ليس مجرد خطوة عسكرية عابرة، بل هو محطة فارقة في السياسة الخارجية والأمنية الجزائرية. خطوة تُوازن بحذر بين احترام الدستور والفرقاء الإقليميين عبر الاستجابة لطلب دولة جارة، وبين المبادرة بحماية الاستثمارات الوطنية وتأمين العمق الإفريقي من أي اضطرابات قد تضر بالأمن القومي الإقليمي.