من بريق الذهب الأولمبي في باريس إلى عتمة الإصابات والتضحيات ومعارك إثبات الذات, تفتح البطلة الجزائرية كيليا نمور صفحات حياتها الشخصية والرياضية في أول مؤلف لها، لتروي للعالم أن طريق المجد لم يكن مفروشاً بالورود، وأن وراء كل تتويج حكاية لا يعرف تفاصيلها إلا أصحابها.
خلف الميدالية الذهبية التاريخية التي أهدتها للجزائر في أولمبياد باريس 2024، تختبئ قصة إنسانية ورياضية مليئة بالتحديات واللحظات الصعبة والقرارات المصيرية. إنها قصة البطلة الأولمبية كيليا نمور، التي اختارت هذه المرة أن تبتعد قليلاً عن عارضة التوازن وأضواء المنافسات، لتخاطب جمهورها بلغة مختلفة، من خلال كتابها الأول «ظل الذهب: نجمة ألعاب باريس 2024 تروي حقيقتها».
في هذا المؤلف الصادر يوم 4 ديسمبر 2025 عن منشورات «أليسيو»، بالتعاون مع الصحفي فريديريك برينديل، لا تكتفي نجمة الجمباز الجزائرية باستعادة لحظات المجد والتتويج، بل تعود إلى البدايات، وإلى سنوات التكوين والتضحيات، مروراً بالإصابات وفترات الابتعاد عن المنافسة، وصولاً إلى القرارات التي غيرت مسار حياتها الرياضية والشخصية.
ذهب المنصات…حكايات لا تظهر أمام الكاميرات
اختارت كيليا نمور عنواناً يحمل الكثير من الرمزية والدلالات؛ فـ«ظل الذهب» ليس مجرد عنوان أدبي، بل هو نافذة على الجانب الآخر من حياة الأبطال، ذلك الجانب الذي لا تنقله عدسات التصوير ولا تكشفه احتفالات التتويج.
فخلف الابتسامات والميداليات والأعلام المرفوعة، توجد ساعات طويلة من التدريب الشاق، وآلام الإصابات، ولحظات الشك والتعب، وتضحيات تبدأ في سن مبكرة، حين يكون الحلم أكبر من الإمكانات، والطموح أقوى من كل العقبات.
وتكشف البطلة من خلال صفحات الكتاب عن فترة صعبة في مسيرتها، تمثلت في ابتعادها عن المنافسة لأكثر من سنة بسبب الإصابات، وهي مرحلة شكلت اختباراً حقيقياً لقدرتها على الصمود والعودة، وأكدت أن الطريق إلى القمة لا يقاس فقط بعدد الميداليات، بل أيضاً بالقدرة على النهوض بعد كل سقوط.
اختيار الجزائر…قرار غيّر مسار الحكاية
ومن أبرز المحطات التي يتوقف عندها الكتاب، قرار كيليا نمور تمثيل الجزائر في المنافسات الدولية، وهو الاختيار الذي أثار نقاشاً واسعاً وشكل منعطفاً حاسماً في مسيرتها الرياضية.
كما تتناول البطلة الظروف التي دفعتها إلى البحث عن بيئة رياضية أكثر انسجاماً مع تطلعاتها، والتعبير عن حاجتها إلى الاستقلالية والحرية في إدارة مشوارها، بعيداً عن أساليب التأطير التي لم تكن تراها ملائمة لتطورها.
وهنا، لا تقدم نمور مجرد تفاصيل عن انتقال رياضي من بلد إلى آخر، بل تفتح باباً لفهم الجانب الإنساني من قرارات الأبطال، حين يصبح الدفاع عن الطموح الشخصي واختيار البيئة المناسبة جزءاً من معركة النجاح.
رسالة إلى جمهورها من قلب صالون الجزائر الدولي للكتاب
وكانت كيليا نمور حاضرة، اليوم الجمعة، بجناح فلسطين، ضمن فعاليات الصالون الدولي للكتاب بالجزائر «سيلا 2026»، في جلسة لتوقيع مؤلفها والتواصل مع جمهورها ومحبيها.
وأكدت البطلة الجزائرية أن الكتاب يمنح القراء فرصة لاكتشاف جوانب أخرى من شخصيتها ومسيرتها، قائلة: «ستتعرفون علي أكثر من خلال هذا الكتاب، فقد رويت فيه كامل مغامرتي إلى غاية بطولة العالم للسنة الماضية. آمل أن ينال إعجابكم».
كما عبرت عن امتنانها للدعم الذي تحظى به، مؤكدة أن مساندة الجمهور تحفزها على مواصلة العمل وتحقيق المزيد من الإنجازات، وموجهة شكرها إلى الوكالة الوطنية للنشر والإشهار ووزارة الرياضة على مرافقتها.
كيليا نمور…قصة لم تنته بعد
ما يميز هذا الكتاب أنه لا يتعامل مع الميدالية الذهبية باعتبارها نهاية الحلم، بل يجعل منها محطة ضمن مسيرة لا تزال فصولها مفتوحة على المزيد من الطموحات والتحديات.
فكيليا نمور، التي صنعت التاريخ بذهبية أولمبية غير مسبوقة للجمباز الجزائري والإفريقي، لا تزال تملك الكثير لتقدمه فوق البساط العالمي، وهي تدرك أن الحفاظ على القمة لا يقل صعوبة عن بلوغها.
وبين صفحات «ظل الذهب»، تقدم البطلة درساً في الإرادة والصبر والتمسك بالاختيارات، وتذكرنا بأن الأبطال ليسوا مجرد أسماء تُكتب في سجلات التتويج، بل بشر يخوضون معارك صامتة، ويتحملون أوجاعاً لا يراها الجمهور، ويصنعون من إخفاقاتهم وإصاباتهم جسوراً نحو النجاح.
إنها حكاية بطلة اختارت أن تروي قصتها بصوتها، وأن تكشف ما وراء الأضواء، لتؤكد أن الذهب الحقيقي ليس فقط ما يلمع فوق منصات التتويج، بل أيضاً تلك الإرادة التي لا تنكسر، وذلك الشغف الذي يدفع صاحبه إلى مواصلة الحلم مهما كانت العقبات.
كيليا نمور لم تكتب فقط قصة ميدالية ذهبية…بل كتبت قصة إنسانة صنعت من التحديات طريقاً إلى المجد، وما زال في جعبتها الكثير من الأحلام التي تنتظر أن تتحول إلى إنجازات جديدة ترفع راية الجزائر عالياً.