ما قل ودل

ماكرون و الجزائر…الذاكرة تُعالج، والسياسية تُرمّم، والإقتصاد مصالح

عميد مسجد باريس شمس الدين حفيظ و الحاخام كورسيا سيكونان ضمن الزيارة

شارك المقال

يزور ماكرون الجزائر في أجواء نفسيّة ودبلوماسيّة تختلف عن سابقاتها وعن الزّيارات الفرنسيّة السابقة، يأتي إلى الجزائر وهو يعرف أنّ “النِّديَّة” هو السّلوك الدبلوماسي والإقتصادي الذي سينتهجه الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبّون، وأنّ خِطاب “الذّاكرة المشتركة” أو “تهدئة الذّاكرة” لن يتحقّق دون الاعتراف بمسؤوليّة فرنسا عن الجرائم الاستعمارية.

وأنّ “التّقطير في الاعتراف” كما خطط له تقرير المؤرخ بن جاما ستورا لن يغنيَ عن “الاعتراف الكلّي”، وتسوية ملفّات الأرشيف والجماجم المتبقية واسترجاع ما سُرق مثل مدفع بومرزاق، إضافة إلى القضايا الجديدة مثل التأشيرة والقوانين الفرنسية الجديدة التي تُضيّق على الجمعيات الإسلامية والتي تتناغم مع الإسلاموفوبيا وخطاب اليمين المتطرف تجاه الإسلام والمسلمين، وترحيل جزائريين منهم فرنسيون مولداً ونشأة وتكويناً من أصول جزائرية.

ماكرون محمّل ومثقل بالذّاكرة وببرلمان جديد ليست له فيه الأغلبية حتى يسرح ويمرح، وتصاعد خطاب يميني متطرف ويسار فيه الحنين للماضي، ومنافسة شَرسة من أهله الأوروبيين (ألمانيا وإيطاليا) في الجزائر وإفريقيا، هذا فضلا عن الروس والصينيين، وتشويش عليه وعلى الجزائر، ومنها شونطاج الملك محمد السادس في وضع مسطرة ثنائية (الكفر والايمان) في تقسيم علاقة الدول الأخرى بالمغرب على أساس الاعتراف بمغربية الصحراء الغربية.

فهم يعتبرون فرنسا في المنطقة الرمادية في موقفها من هذه القضيّة فأوروبا من سبعة وعشرين دولة ليس معهم في الكفر والإيمان إلا ثمانية دول أوربية، كما هاجسه أن تنجح إسرائيل في كبح تقدم نووي إيراني فهناك لبنان التي تنسلّ من الهيمنة الفرنسية بعد تصاعد العداء لهم في دول إفريقية.

إيمانويل ماكرون يعيش وضعاً متأزماً لم يعشه رئيس فرنسي سابق، لكن قدراته وحنكة من يحيط به يمكن أن تجعله ينتصر في مواقع وينتظر انتصارات قادمة، ولعل من مصلحته ومصلحة فرنسا أن تستثمر التاريخ والذاكرة بعدالة وبرؤية متحررة من الترسبات في بناء “علاقة نديّة” على أساس (رابح-رابح) مع الجزائر وهكذا تربح “التّاريخ” و”اللغة” و”التعايش” و”الطاقة”، وأن يخفف ظهره من حمل الأسفار التي تعيقه ومنها الاستجابة للأقدام السوداء في مطالبتهم الرعناء المجحفة بحقِّهم في ممتلكات اغتصبها أجدادهم من الجزائريين خلال قرن ونيف من الاستعمار.

كما أن لعب الطائفة اليهودية (التي يتضامن ويدعم بعضهم إسرائيل) على الحريات والحقوق فالجزائر دستورياً لا تمنع حرية ممارسة الأديان في إطار القانون، وأن أغلب اليهود اختاروا الصف الفرنسي في قانون كريميو، ومقابرهم اليوم مصانة، أما في التاريخ ما قبل فرنسا فكان المسلمون في الجزائر حماة لهم بعد تشريدهم من المدن الأندلسية التي سقطت وأبرزهم الحاخام الطبيب أفراييم ألانكاوه دفين تلمسان في القرن الرابع عشر ميلادي الذي كان ضريحه محجّة لليهود إلى سنة 2005.

ويعرف ذلك رفيق ماكرون في الزيارة المرتقبة الحاخام الأكبر حاييم كورسيا، فوالداه عاشا هنا ودفنا بوهران، أما مغادرة اليهود للجزائر في عام الاستقلال فهو اختيار لا يبرّره الخوف من المجاهدين.

وقد عبّر عن هذا الألم ستورا من خلال استشهاده في تقريره بقول عالم السياسة والفيلسوف رفائيل دراي (من يهود قسنطينة) “”لم أتخل قط عن فكرة المصالحة مع الجزائر بعد استقلاها، حتى وإن لم يتعلق المرء تحديدا بالعودة إلى الجزائر. فقد انتابني دوما الإحساس بأن مغادرتي الجزائر ليست من العدل بأي حال. كان ذلك بمثابة عقاب على خطأ لم أرتكبه. لم أسع مع ذلك إلى إلقاء اللوم على طرف آخر، إنما عزوت ذلك إلى عدم منطقية التّاريخ وقساوته”.

إن الذين تزعجهم زيارة ماكرون هناك أو جنبنا أو معنا لن يفلحوا في إثارة قضايا الهوية والتاريخ وحقوق الإنسان، فالبراغماتية الاقتصادية والسياسية تقتضي “العلاقة النِّديّة” وتسوية القضايا الخلافية بمرونة وتدريجياً، وليست بثنائية الإلغاء “إما هذا أو هذا”، وتركيبة رفاق ماكرون القادمون للجزائر تبيّن بوضوح أن فرنسا تحاول كسب الأديان واستمالة بعضها لكن عليها إعادة النظر في التضييق على الجمعيات الدينية الإسلامية ومراجعة علمانيتها التي تضرها مستقبلاً ومجابهة الكراهية ضدّ المسلمين والعرب ووضع حدٍ للإسلاموفوبيا

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram