
البروفيسور عاصم الشهابي
عندما نزلت من القطار في المحطة وقفت لدقائق مع حقيبتي أتعجب من ضخامة المحطة وكثرة القطارات القادمة والخارجة، وتدفق المسافرين وجميعهم ظهر لي بأنهم أوروبيين. حاولت أن أستفهم من موظفي المحطة والواقفين فيها عن مكان فندق قريب، فوجدت الجميع لا يتكلم الإنكليزية.
ومن حسن الحظ أنني خلال رحلتي تعرفت على طالب ألماني كان في زيارة للقدس، فساعدني بتعلم نطق عدد كبير من الكلمات الألمانية من قاموس صغير كنت أحمله (إنكليزي-ألماني-إنكليزي) مع بعض الجمل القصيرة.
بدأت بالحديث مع الآخرين بإستعمال كلمات ألمانية، فعرفت كيف أصل الى الفندق القريب من محطة القطارات، وحالما تسلمت الغرفة إستسلمت للنوم لمدة عشر ساعات متواصلة لشدة التعب والإرهاق من السفر.
نهضت صباح اليوم التالي، وكان يوم الأحد لتناول الفطور، وعرفت من موظفة الفندق أن يوم الأحد عطلة رسمية، وفقط تعمل المطاعم والمقاهي والمواصلات، كما عرفت منها أن عنوان الصديق عبد الغني الماني المقدسي الذي كان يدرس في ڤيينا بعيدا عن الفندق، وللوصول الى العنوان يجب أن أسافر في ترام رقم دال، وبعد عدة محطات يجب أن أستعمل ترام آخر وبعدها أبحث عن العنوان.
ركبت بالترام من محطة القطارات وأخذت أتفرج على شوارع المدينة النظيفة والجميلة بالعمارات الكبيرة المتلاصقة ومعظم طوابقها لا يتعدي الخمسة أو الستة، كما لاحظت عدد قليل من الناس تمشي بالشوارع في صباح الأحد، بينما يهطل مطر قليل بين فترة وأخرى.
بقيت جالسا في الترام لمدة قريبة من الساعة أسجل عدد مواقف الترام حتى وصل الى آخر موقف وعندها نزل آخر الركاب. بقيت جالسا ولم أنزل بسبب المطر. حضر السائق مشيرا لي بأن هنا آخر موقف فأشرت له أيضا بأن هناك مطر وأريد أن أعود بنفس الترام، فهز برأسه متعجبا وتركني لوحدي.
نزل السائق وهو يحمل حقيبة أخرج منها ترموس قهوة وساندويش وعرفت فيما بعد أن معظم العمال والموظفين يحملون حقائب صغيرة مثل التلاميذ عندنا وبداخلها غالبا سندويشات وقهوة وجريدة وأحيانا كتب مطالعة.
تحرك الترام عائدا بعد فترة قصيرة من الزمن بالإتجاه المعاكس ومر بنفس الشوارع، وأظن أن الترام قطع في الإتجاه الواحد ما يقارب 15 كيلومتر لكون المسافة بين محطة وأخرى تقارب نصف الى واحد كيلومتر، وأثناء العودة نزلت بمحطة مقابل سينما أورانيا Orania القديمة والمشهورة بڤيينا، وهي تقع مباشرة على أحد قنوات نهر الدانوب حيث كان هناك عدد كبير من الناس.
جلست لأكثر من ساعة في المقهى المطل على مياه الدانوب أتابع حركة السفن السياحية الصغيرة وأنظر الى وجوه الناس فلعلني أقابل أحدا يتكلم العربية أو الإنكليزية لأتحدث معه، وأخيرا سمعت صوت شخصين يتكلمان العربية عرفت بأنهما من مصر ويدرسان منذ سنتين في ڤيينا وأصرا على دعوتي للغداء في مطعم قريب.
كان ثمن الطعام قليل، وهو عبارة عن قطعة لحم بقر مشوي مع بطاطا مقلية وقليل من الملفوف الأحمر الحامض المذاق. كانت تكاليف المعيشة في النمسا خلال ستينيات القرن الماضي لا تتعدى عشرون دينار للطالب في الشهر، ومع ذلك فقد كان المبلغ كبيرا بالنسبة لذلك الزمن.
المهم بالأمر، أنه خلال انتظاري في المقهى اكتشفت أنه يقدم عصير برتقال قادم من يافا، وحينما سألت صاحبة المقهى إذا كان البرتقال حقيقة مستورد من يافا، أكدت لي بأنه من فلسطين، ولكن الصناديق تشير إلى المصدر حاليا باسم الكيان المحتل بدل فلسطين، كما ذكرت لي بأن والدها زار فلسطين والقدس عام 1933، وكان معجب جدا بطعم البرتقال اليافوي.
وقد ذكر لي المرحوم الطبيب مصطفي حامد أبو لبن الذي درس الطب بألمانيا، بأن شركة أبو لبن كانت تصّدر البرتقال اليفاوي إلى ألمانيا خلال ثلاثينيات القرن الماضي مقابل الحصول على سيارات مرسيدس الذي أخدت تسوقها فيما بعد شركة غرغوري اليافوية.
.