ما قل ودل

القمّة العربيّة في الجزائر…كيف نقرأ النّجاح؟

شارك المقال

تحول الحديث عن القمّة العربية في الجزائر في بعض وسائل الإعلام إلى تصْويت على سُؤال انتخابي في بعض المقالات والتّحليلات: هل فشَلت القمّة أم نجَحت؟ وبدل النقّاش: كيف يمكن للعرب أن يتجاوَزوا أزماتهم ويعيشوا عقوداً قادمة في ظلّ تعدّد أقطاب قوّة في العالم بعد الحرب الروسية-الأوكرانية؟.

وفي ظلّ مسعى الصّين وروسيا لاستبدال عُملة الدّولار بعملة جديدة تقضي على الهيمنة الأمريكية والغربية، والبارحة للأسف بعض القنوات العربية صارت الانتخابات الإسرائيلية حدثها الأهم والمهمّ بدل القمّة العربية في الجزائر، وقد عاد فيها رابحاً اليمين المتطرف من جديد ولكن هذه المرّة بمباركة توراتية من حزب صهيوني ديني.

مما سيزيد من معاناة إخواننا الفلسطينيين وقد يُقوّض رغبة بعض العرب في التّعايش السّلمي مع الكيان الإسرائيلي، كان انتصار اليمين المتطرف هناك، وكان في قمة الجزائر الانتصار للقضية الفلسطينية في الدّعوة من رئيس الجمهورية الجزائرية للمطالبة بعقد جمعية عامة استثنائية لمنح دولة فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، وهي دعوة في يوم له رمزيّته الجزائرية والعربية والدولية، فقد نالت الجزائر عضوية الأمم المتحدة في غمرة انتصاراتها ودعم البلدان العربية في أكتوبر 1962.

إن التّوافقات العربيّة بخصوص ملفّات مختلف فيها اليوم عمل دبلوماسي يُراعي السّيادة لكل دولة، ويترك للزمن فعله، وبالتأكيد بعض القضايا العربية- العربية أو العربية-الإفريقية، أو العربية –الإيرانية والتركية والإسرائيلية سيكون للتغيرات العالمية القادمة أثرها في التحول والتغيير وإعادة ترتيب البيت العربي الذي يتعرض لهزّات مستقبلية تكون أكثر فتكاً من الربيع العربي إذا لم يعدّ لها العدّة اللازمة.

ولعلّ أبرز تحدٍّ للدّول العربية هو كيف ستتكيّف مع التّغيرات العالمية القادمة في ظلّ محاولة بعض الدّول القويّة “عولمة الحرب”؟ كما أنّ “الأمن الغذائي” و”الأمن البيئي” و”الأمن المعلوماتي” وتهديدات الجماعات العنفية الجديدة (على أساس إثني) وقضايا المناخ والماء وغيرها ستكون عوامِل إعادة النظر والمراجعة السياسية والدّبلوماسية.

إن  قمّة الجزائر هي بداية إنذار للعرب مما ستحمله الصّراعات الدولية القادمة، وكانت حكمة الدبلوماسية الجزائرية رشيدة في تجاوز قضايا تهدّد الاتفاق العربي حول “إعلان الجزائر” مثل قضية سدّ النهضة والصراع المصري –الأثيوبي، وقضية الصحراء الغربية ومسألة إقامة علاقات رسمية لبعض البلدان العربية مع إسرائيل، أو الانحياز لطرف ضدّ آخر في ليبيا واليمن.

لكن الاجماع حول فلسطين والعمل العربي المشترك والسّوق الاقتصادية العربية- العربية، وعدم التّدخل في الصراعات العربية الداخلية، والدّعوة إلى انتخابات وتوافقات سياسية في ليبا مثلا هي أبرز النجاحات الدبلوماسية، كما أن دعوة ملك المغرب لرئيس الجزائر زيارة المغرب هي تصحيح لعطب دبلوماسي مغربي تورّط فيه بوريطة، إذ لو حضر القمّة الملك المغربي كان ذلك إيجابياً للمملكة ويقللّ من الاحتقان الإعلامي.

ولكن للأسف رغم احتواء ما أقدمت عليه قناة وطنية وبيان الجامعة العربية فإنّ وزير الخارجية المغربية شوّش على نيّة الملك في المشاركة، ولكن يبقى الأمل معقودا في تسْوية الخلافات الجزائرية –المغربية مستقبلاً وهذه من حسنات القمّة العربية في الجزائر-.

ترى هل يكون “إعلان الجزائر” خطوة إيجابية نحو إعادة ترتيب البيت العربي من خلال الجامعة العربية ولجان دبلوماسيّة تتابع ذلك مستقبلاً؟ أم سنكون أمام تغيّرات إقليمية ودولية تفرض ظُهور دول عربية قويّة ليس فقط بتجاوز الخلافات العربية- العربية ولكن بظهور “قُوى إقليمية عربيّة” تتحالف مع دول أخرى على أساس جغرافي –حضاري، مثلاً أن تكون الجزائر وبلدان المغرب قوّة إقليمية عربية-مغاربية -إفريقية.

ويتحوّل تحالف الخليجين العرب إلى تحالف خليجي –آسيوي، ولكن في ظلّ التهديد الأمني الإيراني سيعيق هذا التّحالف الإقليمي كما يرى بعض المتابعين؟ وهل سيكون التّحالف مع الصين وروسيا وتركيا مناخاً لتنمية القوّة العربية أو ضعفها؟

في  نظري القمّة العربية في الجزائر تحريك وحلحَلة لواقع عربي يحتاج إلى عمل عربي مشترك مستقبلاً يستثمر وجدان شعوبهم المتطلعة إلى الازدهار والديمقراطية والحياة الكريمة، وتجمعهم “ذاكرة جماعيّة” تستلهم من قيمها الدّينية والحضارية ومن حركاتها التحررية والبحث عن “الكرامة العربيّة”.

مهما كان تصويتنا الاختزالي حول القمة العربية في الجزائر، هل نجحت أم فشلت؟ فإن السياسية هي فنّ الممكن، والممكنات الجزائرية والعربية أكبر من جواب كسول يسهل لوكه وترديده (نعم أم لا) وقد قال المتنبي:

أَبلَغُ ما يُطلَبُ النَجاحُ بِهِ الطَبعُ وَعِندَ التَعَمُّقِ الزَلَل ,و المعنى “الإنسان إنما يظْفُر بمراده إذا جرى على طبعه، فإذا تكلّف أدّ إلى الغلط والزّلل”.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram