ما قل ودل

احتراق خزانة مخطوطات عين صالح…هل شعرنا بوهجها؟ !

مؤلفات عمرها مئات السنين ذهبت هباءا منثورا

شارك المقال

صلاح الدين بن نعوم -رئيس مكتب ولاية معسكر لجمعية حماية التراث

في صبيحة يوم الجمعة الفارط بتاريخ 13 جانفي، استيقظت ولاية عين صالح والجزائر عامة على وقع حادثة أقل ما يُقال عنها أنها فاجعة أُصيب بها ميدان التاريخ والتراث الجزائري والإسلامي,إثر حريق اندلع بخزانة عائلة بابراهيم بذات الولاية، فتركها صريما، حيث أخذ الحريق بكامل رصيد الخزانة التراثية المُقدر بـ 1832 مخطوطا، بعضه يعود إلى أربعة قرون خلت !

يُذكّرنا هذا الحادث بمثله في 24 أوت من عام 2021، كان ضحيته خزانة مولاي العباس الرقاني بأدرار، وبرصيد 1963 مخطوطا. فهاهي الأمة وفي أقل من سنتين من حادثتين تفقد 3795 مخطوطا ! ولا يتصور هول الحصيلة إلا من عرف قيمة هذا التراث،الذي إذا ذهب لن يعود !

إنه نزيف التاريخ والأمجاد والثقافة والعلم والهوية،نزيفٌ حادٌّ لا يُشبه نزيف الدماء التي تُجدد خلاياها لتعوض نقصا.بمعنى آخر، إن تراثنا المخطوط هو قضية مصير شعب، لأنه ثغر من الثغور التي يأخذنا منها الأعداء أخذا عزيزا،وليست سياسة الاحتلال الفرنسي اتجاه تراثنا بالأمس غائبة عن ذاكرتنا، خاصة وأن هذا الاحتلال كان عرّابا للاستدمار الثقافي في الماضي والحاضر.

أما بخصوص الحركة التراثية للمخطوطات ومُلّاكها، وبغض النظر عن ما شذّ من تصرفات بعض أصحاب الخزائن الذين يرفضون التعاون مع الباحثين والجمعيات الثقافية وغيرها،فإننا وقفنا على مبادرات جد مهمة،قدّمها أصحاب هذه الخزائن،وفتحوا الأبواب للباحثين ورفعوا مطالب للجهات الوصية حتى تتكفّل بحفظ هذه المخطوطات من خلال تخصيص مراكز لها بالدرجة الأولى،وكانت خزانة عائلة بابراهيم واحدة من بين العائلات العلمية التي دعت إلى خدمة خزانتها ميدانيا ونظريا،وفي أكثر من مناسبة.

وأمام هذا الأمل الذي بدأ شيئا فشيئا يلج ظُلمة الركود التراثي،نصطدم بمثل هذه الأحداث التي ولحد الآن لم نعرف طبيعتها وأسبابها،أهي صُدفة وقدر فلا غالب إلا الله،أم هناك من يترّصد لتاريخ الأمة ليضربها في مقتل ؟ !.

أعينوا المخطوط على حوادث الزمان…

إن أول درجة لحماية التراث المخطوط هو الوعي بقيمته، لأننا وقفنا على الكثير من العائلات التي أحرقت –بإرادتها- تراث سلفها ظنا منها أنه علم لا ينفع،بل اعتبره البعض سحرا ! وما ينبغي له…

لهذا إذا استطعنا توعية المجتمع بمختلف أطيافه بقيمة هذا التراث،وأدرك إدراكا تاما بدوره في حفظ كيانه،فإن هذا الوعي وهذا الإدراك سيعمل عمله ويقودنا إلى أمثل طرق حفظ واستثمار مخطوطاتنا.

ثم تقوم المسؤولية على الجهات الوصية التي لها من الوسائل ما لا يُعجزها عن احتواء البقية الباقية من هذا المخطوط,وليس أنفع من تنظيم حملة وطنية تشترك فيها وزارات ومؤسسات وجمعيات، لجمع شتات المخطوطات والكتب والوثائق العتيقة والنادرة، مع تحفيزات أقلُّها تقديم مقابل مالي لكل من يُقدم مخطوطا وأكثر.وللتنويه فإن هذه المبادرة قام بها وأشرف عليها الأمير عبد القادر وهو على رأس الدولة الجزائرية الحديثة،فهل من مدكر ؟ !

أما بخصوص الخزائن الخاصة التي لا تزال في ملكية العائلات العلمية والدينية،فإن توفير مراكز خاصة بها وفي مناطقها،مع الإبقاء على ملكيتها لأصحابها،وعلى اتفاق معهم ينص على إخضاع هذه المخطوطات للصيانة الدورية من الجهات المختصة،ثم تصويرها ورقمنتها وإتاحتها للباحثين للدراسة والتحقيق والنشر.

وعلى خلفية الكلام عن أساليب الحفاظ على المخطوط،نُلفت النظر إلى نشاط المركز الوطني للمخطوطات بأدرار وملحقته بتلمسان،نشاط يُشكر عليه،ومردودٌ نؤكد على أنه لا يُجاري صيرورة الزمان الذي لا ينتظر ولا يُحابي،فإن مثل هذا المركز على حجم المسؤولية والعمل المُنتظر منه،يحتاج إلى تجنيدٍ مُهم -كما وكيفا- للمختصين والآكاديميين في الترميم والفهرسة والدراسة والتحقيق،بل وحتى الطبع والنشر.

كما أن التنسيق والتعاون بين المركز وملحقاته وبين مؤسسات الدولة خاصة الجامعات ومراكز البحث والمخابر العلمية، كذا المساجد والزوايا،والجمعيات المعنية بهذا الميدان؛ مطلوب أكثر من أي وقت مضى. كل هذا لنتدارك التأخر الذي نحن فيه.

ثم ولا زلنا نؤكد على المبادرة في تقديم التحفيزات والامتيازات لأصحاب المخطوطات،لأنها تُساعد المركز وملحقاته بشكل كبير،بل وتوفر عليه جهداً كبير،وتُقرّب منه مُلّاك المخطوطات،وتُضاعف لهم النتائج.فهذه الامتيازات والتحفيزات تتطلب دعما ماليا كبيرا تُخصص لهذا المركز.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram