عرفت وهران موجة استياء مؤخرا خصوصا من قبل المؤرخين و أحباب التاريخ و الغيورين على مدبنة الباهية منذ أن صرح الوالي سعيد سعيود بتهديم كل حي سيدي الهواري العتيق و إعادة بنائه على الطراز الحضري المعاصر.
لكن يبدو أن السيد الوالي تراجع في نهاية المطاف و أقر بترميمه عوض هدمه بعد موجة الإعتراض المهولة,فسيدي الهواري لمن لا يعرف الحي هو يختزن بحد ذاته ذاكرة أمة بأكملها حتى و إن كنا لا نجيد فن التنقيب تحت أرضه فهناك أنفاق تاريخية تحكي نضال شعب يأبى الإستسلام رغم ثلاث قرون من الإستعمار الإسباني ضف إليها فترة 39 سنة من الإستقلال حتى تلتها مدة 132 من الإستعمار الفرنسي مجددا.
فذات الحي إن تم استنظاق حجارته ستحكي العجب العجاب فلا زالت تلك المعالم الصمّاء تستذكر صوت صهيل الخيول و صليل سيوف و ضربات المدفعية لجيش الباي بوشلاغم المسراتي الذي انتزع وهران من أيدي الإسبان في مرحلة أولى لنيل الباهية حريتها,لتعود مجددا تحت نير الإسبان الذين خرجوا مدحورين بفضل مجهودات الباي محمد بن عثمان الكبير الذي تستذكر حجارة مسجد الباشا الآيل للإنهيار و جدران قصر الباي المتصدعة رحمته و كيفية تعامله بلين مع أعدائه و كيف تمت إعادة بعث مشوار وهران في عهده.
فحي سيدي الهواري ليس فقط مزارا لقبر الولي الصالح محمد بن عمر الذي تشير الأبحاث التاريخية أنه دفين منطقة مغراوة التي ولد فيها و عاد إليها ليموت فيها,بل الحي هو إرث تاريخي يتشارك فيه جميع الوهارنة من قبائل الدواير و الغوانم و الغرابة و المهاجة ضف إليهم عوائل جنود معسكر من أرمادة بن عثمان الكبير و نسل طلبة العلم و الزوايا الذين كانوا تحت لواء الشيخ المشرفي الذي ساهم في تحرير وهران.
فهذا الحي العتيق لن ينس بأن عبد القادر الصغير و ووالده محي الدين سجنا في جدرانه بمجرد صدحهم بقول الحق في حضرة باي ظالم,و يشهد أيضا عودة عبد القادر شابا يافعا يلتحف عباءة الأمير أين بايعه أبناء الباهية سّرا للذود بالغالي و النفيس من أجل استرداد حرية الجزائر,و الغرفة التي بويع فيها تم طمسها خلال بداية الألفية و لم تبق لها باقية خلال عملية الهدم الفوضوية في أولى سنوات الحكم البوتفليقية.
سيدي الهواري أيضا شهد قدوم إمبراطور فرنسا نابوليون الثالث الذي اعتبر المدينة مرتعا له هروبا من مشاغل الحكم الفرنسي حينها,و ذات الحي عرف احتضان إمبراطورة النمسا “سيسي” التي ارتاحت من مشاق الحكم الملكي ووجدت راحتها في هذا الحي,و نفس الشيء بالنسبة ل”شارلي شابلن” الذي عبّر عن إعجابه اللامتناهي و تمنى بكل سرية أن يتحرر أصحاب البلد من نير الإستعمار و كذا شهد سيدي الهواري توافد كتاب كموباسون و غيره تغّزلوا به أيما تغّزل.
فحي مثل هذا ينبغي ترميمه و استنطاق ذاكرته التي تحمل أولى غزوات الفتح الإسلامي لبلاد شمال إفريقيا,فمن هنا مر طارق بن زياد و فّر عبد الرحمن الذاخل و نفس الشيئ بالنسبة لحفيد ابن تاشفين الذي فقد في وهران تاجه المرابطي لصالح الموحدين,و من هنا أيضا صال و جال الفدائيون و أذاقوا المستعمر ويلات حرب العصابات داخل المدينة و من الأنفاق و الحجرات الضيقة لمراكز التعذيب لا يزال الخيال يسمع آهات و أنين المجاهدين الذين رغم حرقهم أحياءا لم يبدلوا دنياهم بما وعدهم ربهم يوم الدين.
فحي سيدي الهواري رمز ينبغي جعله متحفا مفتوحا و ليس مسخا مكشوفا,فمن فضلكم المسؤولية ملقاة على عاتق كل من يقرأ مقالي هذا فالنداء بات موجها للأكاديميين و المجتمع المدني بكل أطيافه و سكان الحي الأصليين أصحاب الموروث اللامادي لا تتركوا سيدي الهواري يروح خسارة لأنه بحق أخرج للوجود ناس شطارة على قول الفنان الوهراني أحمد وهبي و السلام ختام.