ما قل ودل

تفهم رغبات الأبناء في الدراسة هو سّر الإرتقاء…البروفيسور عاصم الشهابي يروي سيرته في ذكريات لا تنسى

شارك المقال

 

البرفيسور عاصم الشهابي-الجامعة الأردنية عمان-

كل منا يريد لأبنائه الصلاح و الفلاح في الدنيا و الدين و لكن لكل منا رغبة في رؤية فلذة كبده يمارس مهنة لطالما استهوت الوالد أو الوالدة على حد سواء,فهناك من يريد أن يصبح ولده حكيما يداوي أوجاع المرضى,و هناك من يريده طيّارا يحّلق بالمسافرين أو يذود عن سماء بلاده من الغزاة و الأعادين,و هناك من يريده معماريا يبني و يعلي,لكن يبقى اختيار الأبناء هو المتغلب في سلم الرغبات.

و هنا ينشأ كما نعلم صراع الأجيال فهناك من يدرس الطب أو أي اختصاص عنوة فإما أن ينال الشهادة لكنه بالمقابل يبقى يعمل بلا حماس أو تحّمس,و هناك من ينزلق و لا يواصل في التحصيل العلمي,و أمام هذا و ذاك نغوص مع البروفيسور الأردني صديق جريدة “المقال” من خلال رحلته العلمية التي قادته للنجاحات المهنية و التي اختارها هو لوحده و آثر دراسة الكيمياء و البيولوجيا الحيوية على دراسة طب الأسنان في دمشق و التي كانت رغبة الوالدين الكريمين الذان تنازلا بكل روح رياضية عن رغبة إبنهما التي أفلح فيها في ديار الغربة و لنستمع لقصة عالمنا التي ستأتي فيما يأتي على لسانه…

لقد سبق ودونت في كتابي * ذكريات لا تنسى، ومسيرة أكاديمي، كيف تركت دراسة طب الاسنان بجامعة دمشق بعد أسبوع من الالتحاق بالدراسة عام 1960 ، وعدت إلى منزل العائلة بالقدس لأخبرهم بأنني أريد أن أسافر وأدرس الكيمياء الصناعية في ألمانيا حتى أستطيع في المستقبل العمل بتصنيع الأودية، حيث كنت أتعجب ومستاء أنه لا يوجد دواء عربي مصّنع يباع في صيدلياتنا في ذلك الزمن ، ولحسن حظي وافق والدي ووالدتي على رغبتي بسرعة ودعما مشروع سفري ودراستي في ألمانيا.

وأذكر جيدا، بانني انهيت متطلبات السفر بسرعة، وغادرت القدس الى عمان ومنها الى دمشق وحلب ، ومن باب الهوا سافرت بالقطار الذي كان قديما ويسير ببطئ مرورا بعشرات البلدات التركية الى اسطنبول، ومنها سافرت بقطار الشرق السريع كما كان يسمى مع انه لم يكون بالحقيقة سريعا ، وقضيت ثلاث ليالي بدون نوم بالقطار ، وحدثت بعض الصعوبات قبل وصولي اخيرا الى ڤيينا عاصمة النمسا.

وفي ڤيينا ، عاصمة الإنس والجمال بحق، بدأت رحلة دراسة اللغة الألمانية والبحث عن أفضل جامعة ألمانية مناسبة للدراسة والعيش فيها. وبدأت عمليا الدراسة بجامعة بون وانتقلت منها بعد عام الى جامعة هامبورغ الواقعة بشمال المانيا.

وخلال دراستي عملت كمساعد بمختبرات الكيمياء بالجامعة وكذلك أثناء الإجازات بعدة مهن ساعدتني بتدبير مصروف بالدراسة والعيش بألمانيا، وساعدتني بالإطلاع على أسلوب عمل الألمان وشغفهم بدقة الوقت وإتقان كل عمل يقومون به.

وعموما ليس من السهل ان يتكيف الطالب الغريب وخصوصا العربي بالعيش والدراسة والنجاح في ألمانيا الغربية في ذلك الزمان، فالكثير من الطلاّب العرب فشلوا بالدراسة واضطروا أن يعملوا في مهن يدوية واستقروا في المانيا بعد زواجهم من ألمانيات.

وبعد ست سنوات من دراسة مواد الكيمياء والبيولوجيا والحصول على شهادتي الجامعية الأولى، اكتشفت أن هناك علم جديد اسمه (الميكروبيولوجيا الطبية ) الذي بدء يدرس بجامعة كيل Kiel بشكل حديث على مستوى الدكتوراه.

وهذا العلم أصبح ضروريا في مجالات تشخيص الأمراض المعدية والأبحاث الطبية وخاصة فيما يتعلق بإنتاج المضادات الحيوية واللقاحات . وبتوفيق من الله حصلت على وظيفة باحث في أحد مركز البحث العلمي Bortstel Reseach Institutes والتابع لجامعة كيل.

وخلال فترة أربع سنوات من العمل المستمر والشاق والسهر أحيانا طوال الليل لمتابعة التجارب المخبرية والمناوبة في مختبر المستشفى أنهيت بحثي في رسالة الدكتوراه وحصلت على شهادة الدكتوراه.

ومن حسن الحظ أيضا، أنني بعد الحصول على شهادة الدكتوراه تنافست بنجاح للحصول على وظيفة باحث أكاديمي في قسم الأمراض الباطنية في المستشفي الجامعي لجامعة هامبورغ ، وعادة يصعب على الأجنبي الحصول على مثل هذه الوظيفة.

وبعدها عدت إلى الوطن -الأردن- بعد أن تلقيت رسالة من رئيس الجامعة الاردنية المرحوم الدكتور عبد السلام المجالي يعلمني فيها بأنه تم تأسيس كلية طب وبأنه يرّحب بحضوري للعمل فيها.

باختصار، أستطيع أن أقول بأنني بعد ما يقارب نصف قرن من العمل المستمر في كلية الطب ومستشفى الجامعة الأردنية وخارجها، حققت نجاحا كبيرا في مهنتي وجزءا هاما من أحلام شبابي، كما أعتقد بأن مسيرة الشخص تتعرض لظروف مختلفة توثر على خيارات الدراسة وممارسة مهنته وحياته.

ولكن المهم أن يواصل مسيرته بنجاح ويحقق ما يستطيع من أحلام شبابه. وهناك بالتأكيد في كل مجتمع وزمان يظهر شباب عندهم رغبة بالتصرف خارج إطار العادات والرغبات السائدة في عائلاتهم ومجتمعاتهم فيما يتعلق بمستقبل الدراسة والعمل .وهذا التصرف أعتبره عامل قوة ونجاح ولا يضّر إذا أحسن الأهل النقاش مع أبناءهم بصراحة وعقل مفتوح اتجاه طموحاتهم

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram