
نشرت جريدة “الخبر” -وتناقلته بعض الصُّحف والمواقع – إعلان مزاد علني عن بيْع مخطوط تعود ملكيّته للجزائريين الذين كانوا في دولة الأمير عبدالقادر وتحت حمايته وتعرّضوا للهجوم والقتل والأسْر ونهْب خزائنهم المكتبية في نواحي الونشريس (بني وراغ) من طرف الجنرال تيوديل شانغارني شهر جوان 1842.
وما هو مشهور أنّ المكتبة الثّرية التي كان الأمير يصحبها معه في زمالته كانت غنيمة بالنسبة للفرنسيين، والجزء الأكبر منها ضاع في طريق عودة العسكر الفرنسي بعد “معركة طاقين” (تيارت)، وعاش أيامها الأمير حسْرة على كنوزه الثّمينة من المخطوطات المنهوبة، وهي جريمة ضدّ الحضارة.
و معركة الأرشيف واسترجاعه ما زالت قائمة إلى اليوم مع السّلطة الفرنسية وهي من القضايا التي تقف حائلاً أمام “مُصالحة الذاكرة”، واسترجاع ملكية الجزائريين المنهوبة، وفرنسا إذا أرادت ردّ الاعتبار للأمير عليها أن تُسلم أرشيفه وممتلكاته للجزائر.
وهي خطوة من الصّفح التي على بنجامان ستورا “وعشْرة الذّاكرة” الإصرار على ذلك، كما أنّ على سفاراتنا وقنصلياتنا الاهتمام بما يسمى “دبلوماسية الكتاب” (في الأصل عنوان كتاب بالفرنسية).
ويمكن هنا أن نذّكر الدّور الذي لعبته قنصلية بوزنسون (فرنسا) حين كانت الأديبة عائشة كسّول قنصلاً والمثقف الدّبلوماسي نصرالدين لعرابة فقد خاضا معركة دبلوماسية وطنية من أجل نقل مكتبة جاك بيرك إلى فرندة (تيارت) سنة 2013 التي أوصى بنقلها إلى مسقط رأسه (للتذكير كان الحرص من وزير الخارجية الأسبق مدلسي ووزير الداخلية الأسبق دحو ولد قابلية).
وفي 2017 اشترت الجزائر 600 وثيقة تعود للحقبة العثمانية وبداية الاحتلال من مزاد علني بتلوز (فرنسا) بقيمة 94 ألف يورو.
مؤسساتنا الدبلوماسية قادرة على أن تلعب هذا الدّور في الدّفاع عن ذاكرتنا وتاريخنا والبحث عمّا نُهب منّا وتحصيله أو تصويره، ويشترك في ذلك الوزارات المعنية، ومازلنا نتذكّر غضب البولنديين وحملتهم ضدّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حين أهدى نسخة مسروقة من كتاب (مشروع السّلام) لكانط إلى بابا الفاتيكان وبِيعت سابقاً في مزاد علني (كتبت عن ذلك بصفحتي يوم 26 أكتوبر 2022).
الخبر المتداول إعلامياً أنّ قطعة نادرة تباع للأمير في حين هو مخطوط من بين نسّاخه الهادي أبو سرور بن عبدالرحمان العبادي (في نهاية الصفحة التي وضعها المعلنون “كمل الثلاثاء 25 رمضان 1043ه” ويوافق 3/06/1625).
وللأسف الذين نقلوا الخبر من موقع الإعلان سَايروا الخطأ في نسبة الكتاب الذي لم يوضع عنوانه في إعلان البيع إلى الذين نسخوه وليس المؤلف الأصلي، ومن هنا هذا الخطأ في نسبة الكتاب إلى الأمير عبدالقادر، وهو في الأصل (وقد أكون خاطئاً)كتاب في التّوحيد عليه شروحات (القرن السابع عشر ميلاد).
وحسب الصّفحات المصَوّرة منه فهو كتاب في التوحيد (قد يكون شروحاً لجوهرة التوحيد لابراهيم اللقاني التي اهتمّ بها الجزائريون),يمكن أنّ هذا المخطوط كان ضمن ملكية الأمير بمكتبته بطاقين (تيارت) المنهوبة غنيمة أو عند بعض أتباعه من شيوخ الونشريس؟.
يبقى السّؤال هل عليها تعليقات جزائرية (الأمير أو من كان يملكها)؟ فالأمير عادة يكتب حواشي على النصوص الأصلية مثل تعليقاته في أطراف صفحات صحيح البخاري الذي كان رفيقاً له في حروبه وترحاله وهي عادة جزائرية ومغاربية منذ أواخر العهد الموحّدي.